د. محمد حلاوي
جريدة الحرة ـ بيروت
شكّلت جلسة مجلس الوزراء الأخيرة محطةً مفصلية في مسار ترسيخ مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية. فعلى الرغم من الطابع الحاسم الذي أُسبغ على الجلسة، بدا أنّ الحكومة آثرت التراجع خطوةً مدروسة إلى الوراء، مكتفيةً بتبنّي خطة الجيش بصيغة “الترحيب” لا الإقرار الكامل، ومتجنّبةً وضع مهلة زمنية صارمة لتنفيذها. هذا الإخراج سمح للحكومة بتفادي الانفجار السياسي مع “الثنائي الشيعي”، الذي انسحب وزراؤه من الجلسة من دون الذهاب إلى خيار الاستقالة.
التفاهمات التي جرت بين رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة نواف سلام، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل من جهة، وبين حزب الله وحركة أمل من جهة أخرى، وفّرت مساحة تسوية جنّبت البلاد تصادماً داخلياً، وفتحت الباب أمام مقاربة أكثر مرونة، تُرك بموجبها للجيش هامش واسع لتقدير الواقع الميداني وتحديد وتيرة التنفيذ.
نواف سلام: الصلابة وسط العاصفة
برز رئيس الحكومة نواف سلام في الجلسة كأحد أعمدة الصلابة السياسية. فقد تمسّك بمبدأ حصرية السلاح، رافضاً الانصياع لمنطق الترهيب السياسي أو التهويل الطائفي. وأكد سلام أنّه لا اقتصاد ولا استثمارات ولا استقرار سياسي ولا إعادة إعمار في ظل وجود جيشين وسلاحين، مشدداً على أنّ الدولة وحدها هي صاحبة القرار السيادي.
اللافت أنّ سلام واجه الانسحاب الشيعي من الجلسة ببرودة أعصاب، وأصرّ على استمرار عمل الحكومة، رافعاً شعار: “من يريد أن يغادر فليغادر، أمّا الدولة فلن تتوقف عن المضي في مسارها”. هذا الموقف أعطى انطباعاً داخلياً وخارجياً بأن الحكومة لن تتراجع أمام الضغوط، بل ستواصل السير على خط سيادي طويل النفس، حتى ولو كان التنفيذ تدريجياً وبإيقاع يحدده الجيش.
الداخل اللبناني: تباين المواقف وتناقض القراءات
المواقف الداخلية جاءت متناقضة:
- مصادر محايدة رأت أنّ القرار بقي غامضاً ومفتوحاً، من دون تحديد واضح للمهل الزمنية.
- مصادر أخرى ركّزت على أنّ الحكومة عملياً “تراجعت” تحت ضغط المعطيات الداخلية والإقليمية، وربطت تنفيذ الخطة بالتزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها.
- مصادر قريبة من الثنائي وصفت ما جرى بأنّه “ربط نزاع” أكثر منه حسم، إذ خرج الجميع بمظهر الرابح، فيما شكّل الجيش صمّام الأمان ضد الانزلاق نحو مواجهة.
- مصادر سيادية اعتبرت أنّ إقرار الخطة يمثّل انتصاراً للحكومة على حساب حزب الله، وأنّ مسار الدولة بدأ فعلاً بفرض حصرية السلاح.
بين واشنطن وطهران: الضغط الخارجي يطوّق القرار؟
لم يكن القرار محلياً بحتاً، بل عكس شبكة ضغوط خارجية متشابكة. فالولايات المتحدة دفعت باتجاه الإسراع في تنفيذ الخطة وربطها بالورقة الأمنية التي طرحتها، من دون أن تُبدِي التزاماً جدياً بمساعدة الحكومة أو الجيش، ما زاد من شكوك الرئاسة اللبنانية وحلفائها.
في المقابل، برزت مواقف إيرانية داعمة لحزب الله، تُرجمت بزيارة الأمين العام للمجلس القومي الإيراني علي لاريجاني إلى بيروت، بما حملته من رسائل واضحة ضد أي محاولة لنزع سلاح المقاومة.
أما إسرائيل، التي تتابع المسار عن كثب، فهي معنيّة مباشرة بمخرجات الجلسة، إذ ربط لبنان تنفيذ الخطة بانسحابها من الجنوب ووقف خروقاتها.
كما أنّ السعودية والدول الغربية تراقب بدورها كيفية موازنة الحكومة بين الالتزامات الدولية وحساسيات الداخل.
السيناريوهات المفتوحة: بين الأمل والخطر
- التدرج الإيجابي: ينجح الجيش، بدعم سياسي من الحكومة وتغطية دولية، في تطبيق مراحل الخطة تدريجياً: من الجنوب إلى بيروت فالضاحية فالبقاع. هذا المسار يرسّخ سلطة الدولة ويعيد الثقة بالمؤسسات، ويفتح المجال أمام دعم اقتصادي ومالي غربي للبنان.
- التعطيل والتجميد: قد يلجأ حزب الله، مدعوماً من إيران، إلى تعطيل الخطة عبر التصعيد السياسي أو الميداني، من دون الوصول إلى مواجهة مباشرة مع الجيش. في هذه الحال، تبقى الخطة حبراً على ورق، ويكتفي الجيش بإجراءات شكلية كمنع السلاح الظاهر، فيما تُجمَّد المراحل اللاحقة.
- التصادم الداخلي: في حال فشل التسوية السياسية وتزايد الضغوط الخارجية، قد ينزلق الوضع إلى مواجهة مفتوحة بين الدولة وحزب الله. مثل هذا السيناريو يعيد لبنان إلى مشهد 7 أيار 2008 أو أسوأ، خصوصاً إذا ترافقت المواجهة مع توترات إقليمية أو حرب إسرائيلية ـ إيرانية.
- المساومة الكبرى: يتزامن تطبيق الخطة مع مسار تفاوضي أوسع بين واشنطن وطهران، بحيث يصبح ملف سلاح حزب الله جزءاً من صفقة إقليمية تشمل سوريا والجنوب اللبناني. في هذا السيناريو، يتحوّل لبنان إلى ورقة تفاوضية، ويُصار إلى “تكييف” الخطة مع مخرجات المساومة.
- استراتيجية الأمن الوطني: قد تجد الحكومة نفسها مضطرة لاعتماد استراتيجية أمن وطني كخيار لا بد منه، تُعيد من خلالها صياغة العلاقة بين الدولة والمقاومة، وترسم إطاراً دفاعياً رسمياً يدمج دور الجيش مع مفهوم الردع. هذا السيناريو يفتح الباب أمام تنظيم مسألة حصرية السلاح ضمن استراتيجية متفق عليها وطنياً، ويُنظر إليه كحل وسط لتجنّب التصادم والحفاظ على السلم الأهلي.
الشارع اللبناني: انعكاسات محتومة
كل سيناريو من هذه السيناريوهات سيترك بصماته مباشرة على حياة اللبنانيين:
- التدرج الإيجابي يمنح اللبنانيين بارقة أمل ويعيد الثقة بالدولة.
- التعطيل والتجميد يزرع الإحباط ويدفع الشارع نحو الفوضى والاحتجاج.
- التصادم الداخلي يهدد بحرب أهلية صغرى أو كبرى، تقوّض ما تبقى من استقرار.
- المساومة الكبرى تُشعر اللبنانيين بأنهم مجرّد رهائن لطاولات تفاوض خارجية.
- استراتيجية الأمن الوطني تمنح هدنة طويلة الأمد، لكنها – إذا لم تُنجز سريعاً – تُبقي السلاح خارج الدولة واقعاً يومياً يثقل حياة الناس.
لحظة بين الحلم والهاوية
خلاصة القول، لبنان اليوم يقف على خط تماس بين الحلم والهاوية.
ما جرى في جلسة الأمس ليس مجرد قرار حكومي عابر، بل لحظة مفصلية سترسم خريطة السنوات المقبلة: إمّا دولة تبسط سلطتها وتعيد ثقة شعبها والعالم بها، وإمّا دولة مأزومة تدور في حلقة المساومات والرهانات الخارجية.
في قلب هذه اللحظة، يطلّ نواف سلام بصلابة غير مألوفة في زمن التردّد، رافعاً راية الدولة بوجه كل أشكال الترهيب. لكن الشارع، المتعب والمنهك، لم يعد ينتظر البيانات ولا المناورات، بل يريد جواباً واحداً: هل يولد لبنان الجديد من هذه المعركة، أم نسقط جميعاً في جولة جديدة من الانهيار؟


