جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في ظل الحملة الإعلامية التي تسوّق لفكرة أن واشنطن تسعى لتوجيه ضربة كبيرة لإيران، فإن التهويل بالضربة لدى الإدارة الأمريكية يبدو في الواقع أداة للضغط على طهران للتفاوض. بالنسبة لواشنطن، تعتبر المفاوضات مع طهران أكثر فائدة من العمل العسكري ضدها. وفي نفس الوقت، ترسل هذه الهمروجة الإعلامية رسالة نارية إلى الصين.
لقد كان الحديث عن احتمال قيام الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بعمل عسكري ضد إيران موضوعًا شائعًا في الدوائر السياسية بين الخبراء الغربيين على مدار فترة طويلة. ومع ذلك، تظهر التقييمات الشاملة للوضع أن مثل هذا السيناريو سيكون مكلفًا ومحفوفًا بالمخاطر بالنسبة للولايات المتحدة. فقد تؤدي ضربة عسكرية موجهة ضد إيران إلى أزمة متعددة الأبعاد، تحمل عواقب إقليمية وعالمية خطيرة. في الوقت نفسه، يعكس الضغط الأمريكي على إيران رغبة الولايات المتحدة في التأثير على مكانة الصين في الاقتصاد العالمي.
لا يمكن النظر إلى الأحداث المتعلقة بإيران فقط في إطار الصراع الثنائي بين طهران وواشنطن، أو في إطار الصراع بين إيران وإسرائيل. بل نحن أمام جزء من تحول عميق في النظام العالمي وتنافس هيكلي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا. بناءً على هذا المنطق، لا تعد إيران هي الهدف النهائي، بل هي ساحة لتصادم المصالح بين القوى العالمية الكبرى.
الصين وتوسيع النفوذ الأمريكي
تلعب الصين دورًا محوريًا في هذا السياق. وفقًا لتقديرات مختلفة، يتم إرسال نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية – سواء بشكل رسمي أو عبر قنوات غير رسمية – إلى الصين. ويشكل هذا الحجم حوالي 12-14% من إجمالي واردات الصين من النفط الخام، ويُشترى عادة بأسعار تقل عن أسعار السوق بحوالي 5-15 دولارًا للبرميل. وبالتالي، أصبحت إيران عنصراً مهمًا في ضمان أمن الطاقة للصين.
إن الحصول على النفط الرخيص نسبيًا من إيران وفنزويلا يتيح لبكين تقليص تكاليف الإنتاج وتخفيف الاعتماد على الأسواق الغربية، مما يعزز الأساس للنمو الصناعي على المدى الطويل. إن أي اضطراب كبير في استقرار إيران أو تغيير جذري في التكوين السياسي في طهران قد يؤدي إلى عواقب سلبية واضحة للصين. تشمل هذه العواقب، على سبيل المثال، تعطيل سلاسل إمدادات الطاقة، وارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي، واحتمال انخفاض النمو الاقتصادي بنسبة تتراوح بين 3 إلى 4% سنويًا، وزيادة الاعتماد على سوق النفط العالمية المتقلبة.
من وجهة نظر واشنطن، يمكن أن يُعتبر مثل هذا التطور في الأحداث أداة غير مباشرة للضغط على الصين. لكن استخدام القوة العسكرية لتحقيق هذه الغاية يحمل عواقب تفوق بكثير الحسابات الاستراتيجية الأولية.
واشنطن تسعى لاستقرار المنطقة بطريقتها
فالهجوم على إيران قد يؤدي إلى زعزعة استقرار أسواق الطاقة العالمية، ويزيد من خطر نشوب صراع واسع النطاق في الشرق الأوسط، مما يجذب الولايات المتحدة إلى أزمة قد تكون مغادرة منها أمرًا صعبًا. وفقًا للمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، لا يمكن تبرير الحرب إلا إذا كانت العواقب متوقعة. وهذا الشرط مفقود في الحالة الإيرانية.
ترتكز الاستراتيجية الأمريكية على فرضية مفادها أنه لا يجب أن يتشكل النظام الدولي من أكثر من مركزين أو ثلاثة مراكز قوة عالمية. في هذا السياق، يبقى احتواء الصين هدفًا استراتيجيًا أساسيًا بالنسبة للولايات المتحدة. من هذا المنظور، تبدو التغيرات الداخلية في إيران خيارًا أكثر عقلانية وأسهل في الإدارة مقارنة بالتدخل العسكري المباشر. وهذا سيؤدي إلى تأثير مستهدف على الرابط النفطي بين طهران وبكين، بتكاليف سياسية ومالية أقل. وإذا تحقق هذا السيناريو، فإن الصين ستخسر أحد مصادر الطاقة الرخيصة لديها.
توسيع رقعة الصراع في المنطقة لمصلحة حلفاء إيران
من المهم أيضًا أن نلاحظ أن روسيا قد تكون أحد المستفيدين من هذه الأزمة. إذا حدث تصعيد عسكري حول إيران، فإن الصراع سيأخذ شكل مواجهة غير مباشرة بين الولايات المتحدة والصين وإيران وروسيا، مما قد يعود بفوائد معينة على موسكو. إن ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الضغوط على الاقتصاد الأوروبي، وتحويل الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي بعيدًا عن أوروبا الشرقية، فضلاً عن تعزيز دور روسيا كمورد بديل للطاقة، تعمل بشكل موضوعي على تعزيز موقف موسكو الجيوسياسي. لذلك، من وجهة نظر روسية، لا تُعتبر الأزمة الإيرانية تهديدًا مباشرًا، بل جزءًا من استراتيجية أوسع بين القوى العظمى.
بناءً على ذلك، أصبحت إيران اليوم نقطة تقاطع رئيسية لمصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا. إن توجيه ضربة عسكرية لإيران، مهما بدت حاسمة، قد يتحول إلى أحد أخطر الأخطاء الاستراتيجية التي قد ترتكبها واشنطن في الشرق الأوسط. فإن انقطاع إمدادات الطاقة للصين قد يؤدي إلى زيادة كبيرة في التكاليف الصناعية، ولن تقتصر عواقب ذلك على آسيا فقط، بل ستطال أيضًا الصناعات الأوروبية بشكل مباشر.


