الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

واشنطن ستخفض وجودها العسكري في ألمانيا “بشكل أكبر”

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

خاص ـ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة ستخفض وجودها العسكري في ألمانيا “بشكل أكبر بكثير” من الانسحاب الأولي البالغ 5000 جندي. أشار ترامب، دون الخوض في التفاصيل، إلى قرب خفض كبير إضافي للوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا، وذلك بعد إعلان البنتاغون سحب 5000 جندي.

كان ترامب قد هدد في أبريل 2026 بسحب القوات من إسبانيا وإيطاليا. سعى وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس إلى التقليل من شأن تأثير قرار وزارة الدفاع الأمريكية بسحب 5000 جندي من البلاد، واصفًا هذه الخطوة بأنها متوقعة، واستخدمها للتأكيد على حاجة أوروبا إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها.

يأتي هذا الموقف في سياق نقاش أوسع داخل القارة الأوروبية حول مستقبل الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة وتصاعد التوترات الدولية.

ينبغي تعزيز الركيزة الأوروبية داخل حلف الناتو

يوضح بيستوريوس: “كان من المتوقع أن تسحب الولايات المتحدة قواتها من أوروبا، بما في ذلك ألمانيا”، مضيفًا أنه “إذا أردنا أن نبقى عبر الأطلسي، فعلينا تعزيز الركيزة الأوروبية داخل حلف الناتو”. ويعكس هذا التصريح إدراكًا متزايدًا داخل دوائر صنع القرار الألمانية بأن التوازن داخل حلف شمال الأطلسي قد يشهد تغيرات جوهرية خلال السنوات المقبلة، خاصة مع توجه واشنطن لإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية.

أعلن حلف شمال الأطلسي أنه “يعمل مع الولايات المتحدة لفهم تفاصيل” قرار البنتاغون بسحب القوات. تقول المتحدثة باسم الناتو، أليسون هارت، في بيان لها، إن خطوة إدارة دونالد ترامب “تؤكد ضرورة استثمار أوروبا المزيد في الدفاع”. ويشير هذا التصريح إلى توافق ضمني داخل الحلف على أن المرحلة القادمة تتطلب مساهمة أوروبية أكبر، سواء من حيث التمويل أو القدرات العسكرية.

هشاشة متزايدة في العلاقات عبر الأطلسي

كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد هدد بسحب القوات الأمريكية وسط خلاف علني مع المستشار الألماني فريدريش ميرز، الذي قال إن إيران “تتعرض للإذلال” من قبل الولايات المتحدة. وقد كشف هذا التوتر السياسي عن هشاشة متزايدة في العلاقات عبر الأطلسي، حيث لم تعد الخلافات تقتصر على القضايا الاقتصادية، بل امتدت إلى الملفات الأمنية والعسكرية الحساسة.

ورغم قرار الانسحاب، سيظل إعلان البنتاغون يترك حوالي 33 ألف جندي أمريكي في ألمانيا، مما يعكس استمرار الأهمية الاستراتيجية للوجود العسكري الأمريكي في قلب أوروبا. ويعود جزء كبير من هذا الحضور إلى عملية حشد بدأت في عهد الرئيس جو بايدن، والتي هدفت إلى تعزيز الردع في مواجهة روسيا بعد تصاعد التوترات في شرق أوروبا.

في هذا السياق، صرح متحدث باسم المفوضية الأوروبية بأن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا يُعد “مساهمة كبيرة في ردع حلف الناتو ودفاعه”، ويشكل “أساس الدفاع الجماعي لـ 23 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، وهي كذلك حليفة في حلف الناتو”.

وأضاف المتحدث أن دول الاتحاد الأوروبي تفي بالتزاماتها تجاه الحلف من خلال زيادة الإنفاق العسكري “بوتيرة غير مسبوقة”، في إشارة إلى التحولات التي فرضتها الحرب في أوكرانيا والتهديدات الأمنية المتزايدة.

الانسحاب سيكون تدريجيًا ومنظمًا

صرح المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، في بيان له، بأن وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، أمر بالانسحاب استجابة لـ”الظروف على الأرض” بعد مراجعة شاملة لحشد القوات الأمريكية في أوروبا. وأضاف بارنيل: “نتوقع إتمام الانسحاب خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر القادمة”، ما يشير إلى أن العملية ستكون تدريجية ومنظمة، وليست انسحابًا مفاجئًا.

هذا القرار يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول مستقبل التواجد العسكري الأمريكي في أوروبا، خاصة في ظل تصاعد الدعوات داخل الولايات المتحدة لإعادة توزيع الموارد العسكرية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث يُنظر إلى الصين باعتبارها التحدي الاستراتيجي الأكبر.

وفي المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم قدراتها الدفاعية، والعمل على سد الفجوات التي قد يتركها أي تقليص في الدعم الأمريكي.

مخاوف دول أوروبا الشرقية من الضمانات الأمريكية

ردًا على إعلان البنتاغون، أعرب رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك عن أسفه لـ “المسار الكارثي” في العلاقات الأوروبية الأمريكية. وقال توسك في منشور: “إن أكبر تهديد للمجتمع عبر الأطلسي هو التفكك المستمر لتحالفنا. يجب علينا جميعًا بذل كل ما في وسعنا لعكس هذا المسار الكارثي”.

وتعكس هذه التصريحات مخاوف دول أوروبا الشرقية، التي تعتمد بشكل كبير على الضمانات الأمنية الأمريكية في مواجهة روسيا. ولم تتوقف التهديدات الأمريكية عند ألمانيا، إذ هدد ترامب بسحب القوات الأمريكية من إسبانيا وإيطاليا، في هجوم متجدد على رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.

وقد انتقدت مدريد وروما، مثل برلين، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ما زاد من حدة التوترات السياسية بين ضفتي الأطلسي.

أعلن ترامب إنه “سيُرجّح” سحب القوات الأمريكية من البلدين الواقعين في جنوب أوروبا. وأضاف أن إيطاليا “لم تُقدّم لنا أي مساعدة”، واتهم إسبانيا بأنها “مروعة للغاية”. وقد رفضت كل من إسبانيا وإيطاليا استخدام قواعدهما من قبل الطائرات العسكرية الأمريكية المشاركة في الحرب مع إيران، وهو ما اعتبرته واشنطن مؤشرًا على تراجع مستوى التعاون العسكري.

تسلط هذه التطورات الضوء على مرحلة حساسة في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، حيث لم يعد التحالف قائمًا على نفس الأسس التي سادت خلال عقود الحرب الباردة وما بعدها. فبينما تسعى واشنطن إلى إعادة توجيه استراتيجيتها العالمية، تجد أوروبا نفسها مضطرةً إلى تعزيز استقلاليتها الدفاعية، وهو ما قد يؤدي على المدى الطويل إلى إعادة تشكيل بنية الأمن الأوروبي.

لا يبدو أن قرار سحب 5000 جندي سيؤدي إلى تغيير جذري وفوري في ميزان القوى داخل أوروبا، لكنه يمثل إشارة واضحة إلى اتجاه استراتيجيٍ أوسع. هذا الاتجاه يقوم على تقليل الاعتماد الأمريكي المباشر، مقابل زيادة مسؤولية الحلفاء الأوروبيين.

ومع استمرار التوترات مع روسيا، وتنامي التحديات الأمنية العالمية، سيبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت أوروبا قادرة على ملء هذا الفراغ، أم أن التحالف عبر الأطلسي سيدخل مرحلةً جديدةً من إعادة التعريف والتوازن.

https://hura7.com/?p=78529

الأكثر قراءة