جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تواجه منطقة الشرق الأوسط في هذه المرحلة واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية في تاريخها الحديث، حيث تتداخل العمليات العسكرية الميدانية مع الرؤى الاستراتيجية الكبرى للقوى العظمى لإعادة صياغة الخرائط السياسية والأمنية. في قلب هذا المشهد الصاخب، يبرز التفكير الاستراتيجي لمركز القرار في البيت الأبيض تجاه الملف اللبناني والعدوان الإسرائيلي على لبنان، كعامل حاسم لا يهدف فقط إلى التهدئة المؤقتة، بل إلى إحداث تغيير بنيوي في قواعد اللعبة الإقليمية والدولية. هذا التحول الجذري في المقاربة الأمريكية يعكس انتقالاً من سياسة إدارة الأزمات والاحتواء إلى سياسة الحسم واقتلاع مسببات النزاع التي تراها واشنطن في خيار المقاومة، مما يضع الدولة اللبنانية بكافة مكوناتها أمام منعطف تاريخي يفرض خيارات حاسمة بين الانخراط في نظام عالمي جديد يقوم على الاستقرار الاقتصادي، أو البقاء في دائرة الحروب المستمرة والنزوح طويل الأمد.
تمثل النظرة الأمريكية الحالية للأزمة اللبنانية تحولاً جوهرياً في آليات الدبلوماسية الدولية؛ فالبيت الأبيض، تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، لم يعد يرى في النزاع مجرد صدام حدودي يمكن علاجه عبر تسويات رمادية أو اتفاقات مجتزأة. المقاربة الحالية ترتكز على مبدأ التفكيك الكامل للقدرات العسكرية والأمنية لحزب الله، واستعادة السلطة الحصرية والسيادة المطلقة للدولة اللبنانية على كامل ترابها الوطني. تتجلى هذه الرؤية في الرفض القاطع والمستمر من قبل واشنطن لربط جبهة لبنان بأي ملفات إقليمية أخرى، ولا سيما الملف النووي الإيراني أو المفاوضات المتعلقة بساحات أخرى في المنطقة. تتعامل الإدارة الأمريكية مع الأزمة اللبنانية بوصفها نزاعاً منفصلاً يجب حسمه بناءً على شروط أمنية صارمة لا تقبل التأويل، حيث تسعى الدبلوماسية الأمريكية، بقيادة وزير الخارجية ماركو روبيو، إلى فرض واقع جديد يتجاوز التهدئات المؤقتة نحو صياغة حل دائم وشامل يضمن الحدود الدولية وخاصة أمن إسرائيل في حدودها الشمالية من فلسطين المحتلة.
إن معالم هذه الاستراتيجية بدأت تتبلور عملياً من خلال رعاية البيت الأبيض ووزارة الخارجية لجولات مكثفة من المفاوضات المباشرة بين وفود دبلوماسية وأمنية رفيعة المستوى. وعلى الرغم من نجاح الجهود الأمريكية في إقرار وتمديد هدنة مؤقتة بمنتصف شهر أيار من العام الحالي لمدة خمسة وأربعين يوماً إضافية، إلا أن الهدف من هذا التمديد ليس العودة إلى حالة الركود السابقة، بل إتاحة الفرصة لإحراز تقدم ملموس في مسارات الحل الجذري. يكمن جوهر الموقف الأمريكي في القناعة الراسخة بأن الحروب المتكررة، وعدم الاستقرار السياسي، والانهيار المالي والاقتصادي المتمادي في لبنان، ليست سوى أعراض لمرض واحد يتمثل في وجود كيان عسكري مسلح يمتلك قرار السلم والحرب خارج إطار المؤسسات الشرعية للدولة، ويأتمر بأمر قوى إقليمية خارجة عن النسيج الوطني. من هنا، تبدو واشنطن مقتنعة تماماً بأن الحرب ستظل طويلة، معقدة، وخطيرة طالما لم يُحسم ملف السلاح غير الشرعي بشكل نهائي، مما يجعل أي اتفاق لا يتضمن تجريد السلاح كشرط أساسي مجرد مسكن مؤقت لن يمنع انفجار الأوضاع مجدداً.
هذا التشخيص الاستراتيجي الحاد يفسر طبيعة التعامل الأمريكي الصارم والبارد مع السلطة السياسية في بيروت؛ حيث تنظر واشنطن إلى المؤسسات الحاكمة بنوع من التشكيك، معتبرة إياها عاجزة أو مفتقدة للشجاعة السياسية اللازمة لمواجهة ظاهرة التسلح غير الشرعي وفرض سيادة القانون. المعادلة الأمريكية المرفوعة خلف الأبواب المغلقة تتسم بالواقعية الشديدة: “لن تحارب القوات الدولية أو الأمريكية نيابة عن اللبنانيين لنزع هذا السلاح، ولكن على مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش اللبناني، أن تبادر فوراً لتحمل مسؤولياتها السيادية والدستورية، وفي المقابل تتعهد واشنطن بتقديم الغطاء الدولي، الدبلوماسي، المالي، واللوجستي الكامل لهذه الخطوات”. ويمتد هذا المنطق ليشمل الموقف من العمليات العسكرية للاحتلال الإسرائيلي؛ إذ يتبنى صُناع القرار في واشنطن منطقاً يرى في الآلة العسكرية أداة تنفيذية لتحقيق ما عجزت القوانين والسياسات المحلية عن إنجازه، معتبرين أن الضغط لوقف إطلاق النار دون ترتيبات تضمن إنهاء الوجود العسكري المسلح في الجنوب وكافة المناطق، يعني منح فرصة لإعادة ترتيب الصفوف واستمرار التهديد، وهو ما يرفضه المجتمع الدولي تماماً.
من هذا المنطلق، يتضح أن الحرب على لبنان ومسألة النزوح هي مسار طويل وممتد، ولن تشهد نهايتها القريبة إلا بتحقيق إنجاز كامل في تفكيك القدرات العسكرية والأمنية وحتى الأسس الفكرية والأيديولوجية لهذه الحالة المسلحة المعيقة لقيام الدولة. الرؤية الدولية الحازمة تتقاطع مع المطلب الإسرائيلي في تدمير المستودعات، الأنفاق، البنى التحتية، والمؤسسات المالية والخدمية التابعة للحزب، لشل قدرته الإدارية بالكامل، تحت شعار عدم السماح بخروجه من هذه الحرب قادراً على الوقوف على قدميه مجدداً. ويترافق هذا الضغط العسكري مع استراتيجية تهدف لرفع كلفة الخيار العقائدي والشعارات العابرة للحدود أمام المجتمع والبيئة الحاضنة، لإفهام الكافة أن ثمن الاحتضان للمشاريع الإقليمية بات يفوق قدرة أي مجتمع على التحمل البشري والاقتصادي، ودفع القوى المحلية إلى إجراء مراجعة ذاتية حتمية تفرض خيار العودة إلى مظلة الدولة الوطنية بدلاً من التمسك بخيارات تؤدي إلى الدمار المستمر والعزلة الدولية.
ومع ذلك، فإن هذا التوجه يفرض تحديات جسيمة وانقسامات حادة داخل أروقة القرار في واشنطن وخارجها؛ فالانتقادات تتصاعد بسبب تبني الرواية التي تمنح هامشاً واسعاً لشن ضربات عسكرية واسعة النطاق تحت ذريعة الدفاع عن النفس، حتى في ظل الهدنات المؤقتة، مما يتسبب في دمار هائل للمدن والقرى والبنية التحتية الحيوية. ويتعاظم الجدل الأخلاقي والسياسي حول تراجع الأهمية التي توليها القوى العظمى للاستقرار الإنساني وحماية المدنيين مقارنة بالهدف الاستراتيجي الأساسي المتمثل في إضعاف النفوذ الإقليمي لإيران وتصفية أذرعها العسكرية. وثمة مخاوف حقيقية لدى العديد من المحللين الدوليين من أن محاولة فرض تغيير سياسي وثقافي شامل بقوة السلاح والدمار قد تؤدي بالبلاد إلى الانزلاق نحو فوضى عارمة أو اقتتال داخلي، نتيجة الفراغ الكبير الذي يمكن أن يخلّفه غياب سلطة أمنية وازنة، مما يجعل الرهان على الجيش اللبناني كصمام أمان وحيد أمراً محفوفاً بالمخاطر إذا لم يتم تأمين الدعم المالي واللوجستي الفوري والضخم لتمكينه من السيطرة وفرض النظام وحماية السلم الأهلي.
لتفادي سيناريوهات الفوضى الشاملة، تعتمد الرؤية الأمريكية-الدولية على مفهوم “الهندسة الاقتصادية” كأداة ضبط أساسية لمرحلة ما بعد الحرب؛ إذ تشترط عواصم القرار ربط كافة المساعدات الدولية، وأموال إعادة الإعمار، والاستثمارات الخارجية والخليجية الموعودة، بمدى الالتزام بالوضع السياسي والسيادي الجديد، والتخلي الكامل عن نموذج المقاومة المسلحة، وتطهير الإدارات الرسمية من النفوذ العقائدي. إن هذه المقايضة الكبرى تطرح مبدأ “الاستقرار والبحبوحة مقابل السيادة الحصرية للجيش”، حيث تراهن القوى الدولية على أن الحاجة الملحة لإعادة بناء ما تهدم، وتحقيق التعافي الاقتصادي، واستعادة مقومات الحياة الأساسية، ستشكل الحافز الأكبر للشعب اللبناني لمنع ظهور أي حركات مسلحة جديدة، والالتفاف حول مشروع الدولة الطبيعية التي تركز على جودة الحياة بدلاً من الشعارات البالية.
إن هذا التحول البنيوي يقتضي حتمياً، من المنظور الاستراتيجي الدولي، سقوط المنظومة السياسية التقليدية التي أدارت البلاد طوال العقود الماضية على أسس المحاصصة الطائفية، الفساد الإداري، وتبادل المنافع مع السلاح غير الشرعي. واشنطن والعواصم الإقليمية ترى أن هذا الطاقم السياسي قد فقد صلاحيته الوظيفية تماماً، ولا يمكنه بأي حال من الأحوال إدارة نموذج “لبنان الجديد” القائم على الاندج في شبكات التجارة والاستثمار العالمية. التفكك العضوي لهذه الطبقة الحاكمة يبدو حتمياً مع تجفيف منابع التمويل والتهريب وتبييض الأموال، فرض إصلاحات هيكلية صارمة على القوانين الانتخابية لضمان النزاهة التامة تحت رعاية ورواية دولية مشددة، مما يمهد الطريق لصعود جيل جديد من الكفاءات والنخب الشبابية والتكنوقراطية التي تمتلك رؤى حديثة في الإدارة والاقتصاد وبناء المؤسسات، ويكون ولاؤها مطلقاً للدستور والقانون.
وعلى الرغم من أن أصوات الحراكات البديلة والنخب المستقلة تبدو غائبة أو عاجزة حالياً في ظل هدير المدافع وغلبة غريزة البقاء وخوف المجتمع من الفتن، إلا أن الرهان يظل قائماً على أن صمت المدافع وبسط سلطة الدولة الأمنية سيحطم جدار الخوف والترهيب، ويمنح المواطنين الأمان الفعلي للتعبير عن تطلعاتهم الحقيقية في صناديق الاقتراع، لتتحول الانتخابات من مجرد عملية لتجديد البيعة للوجوه القديمة إلى رافعة حقيقية لإنتاج نخب سياسية تمثل العصر الجديد.
إن العبور الآمن والمستدام للبنان نحو هذا المستقبل الاقتصادي والسياسي الواعد يمر عبر أربع ركائز قطاعية أساسية:
أولها الاستثمار الأمثل لملف النفط والغاز في البحر المتوسط كقاطرة للنمو المالي وضمانة دولية للاستقرار لحماية مصالح الشركات العالمية؛ وثانيها إعادة هيكلة كاملة للنظام المالي والمصرفي على أسس الشفافية والامتثال للمعايير الدولية؛ وثالثها إحداث ثورة تربوية وتعليمية تلغي مناهج الأدلجة والشحن العقائدي وتركز على العلوم الحديثة والذكاء الاصطناعي؛ ورابعها التحول الاجتماعي نحو المواطنة الحرة بفضل نجاح الدولة في تقديم الخدمات الأساسية كبديل للزعامات الطائفية.
في المحصلة، يمر لبنان اليوم بالمخاض الأخير لحقبة تاريخية كاملة؛ فإما قبول قواعد النظام العالمي القائم على الازدهار والسيادة، أو مواجهة استنزاف طويل ومدمّر لا أفق لداعميه.


