جريدة الحرة بيروت

بقلم : حازم سعيد مدونة الكاتب حازم سعيد
تفتح الزيارة غير المعلنة التي أجراها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “CIA” جون راتكليف إلى موسكو في 25 أغسطس بابًا جديدًا للتكهنات بشأن طبيعة الاتصالات بين واشنطن والكرملين. فالزيارة، التي تعد أول زيارة معروفة لمسؤول أمريكي على رأس جهاز استخبارات إلى العاصمة الروسية منذ نوفمبر 2021، جاءت في توقيت حساس تتداخل فيه ملفات الحرب في أوكرانيا، والعلاقات بين روسيا والناتو، والتصعيد المتزايد حول إيران.
غياب المعلومات الرسمية بشأن جدول أعمال راتكليف يجعل من الصعب تحديد الهدف الحقيقي للزيارة. فقد أكد الكرملين عدم وجود اجتماع مقرر بين الرئيس فلاديمير بوتين ومدير الـCIA، بينما لم تكشف واشنطن عن المسؤولين الروس الذين التقى بهم راتكليف أو طبيعة المحادثات. ويعني ذلك أن أي قراءة للزيارة يجب أن تبقى في إطار الاحتمالات، وليس الاستنتاجات المؤكدة.
مع ذلك، تبرز أوكرانيا باعتبارها أحد الملفات الأكثر ترجيحًا. فالمفاوضات الرامية إلى تقريب مواقف موسكو وكييف لا تزال تواجه خلافات عميقة بشأن الأراضي والضمانات الأمنية وشروط وقف إطلاق النار. وفي هذا السياق، يمكن أن تكون القنوات الاستخباراتية وسيلة لنقل رسائل حساسة أو اختبار مواقف الطرف الآخر بعيدًا عن المسارات الدبلوماسية التقليدية.
وتزداد أهمية الزيارة بسبب إبلاغ واشنطن كييف مسبقًا بوجود وفد أمريكي في موسكو، وطلبها تعليق بعض الضربات خلال وجود الوفد هناك. وإذا صحت هذه المعلومات، فقد يعكس ذلك رغبة أمريكية في الحد من مخاطر وقوع حادث قد يؤثر في الاتصالات الجارية، لكنه لا يعني بالضرورة وجود اتفاق أوسع لوقف العمليات العسكرية الأوكرانية ضد روسيا.
وهناك احتمال آخر يرتبط بالعلاقة بين روسيا والناتو. فقد تزايدت المخاوف الأمريكية والأوروبية من استخدام موسكو أدوات هجينة أو عمليات يمكن إنكار المسؤولية عنها ضد دول الحلف. ومن ثم، قد تكون زيارة راتكليف مرتبطة بإدارة مخاطر التصعيد ووضع خطوط حمراء غير معلنة، خصوصًا مع ارتفاع مستوى التوتر على الجناح الشرقي للناتو.
أما إيران، فتشكل ملفًا ثالثًا محتملًا. فروسيا تحتفظ بعلاقات عسكرية ودبلوماسية وثيقة مع طهران، في وقت تكثف فيه إدارة ترامب ضغوطها على إيران. وقد توفر موسكو قناة غير مباشرة للتواصل بشأن احتمالات التصعيد في الشرق الأوسط، خصوصًا أن أي اضطراب واسع في إمدادات الطاقة قد ينعكس على أسعار النفط والاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، ينبغي الحذر من ربط الزيارة تلقائيًا بمقترحات محددة لوقف إطلاق النار أو ما يسمى “هدنة الطاقة”، في ظل عدم وجود تأكيد رسمي على هذه التقارير. كما لا توجد معلومات علنية تثبت لقاء راتكليف بالرئيس بوتين أو إجراء اتصال هاتفي بينهما.
الأرجح أن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في نتائجها المباشرة، بل في اختيار قناة استخباراتية للتواصل في مرحلة تتسم بارتفاع مستويات عدم الثقة. واستخدام مدير الـCIA بدلًا من مبعوث دبلوماسي تقليدي قد يشير إلى حساسية الملفات المطروحة، لكنه لا يكشف طبيعتها.
وبالتالي، تبقى زيارة راتكليف إلى موسكو رسالة بحد ذاتها: واشنطن وموسكو ما زالتا بحاجة إلى قنوات اتصال مباشرة، حتى في أكثر مراحل العلاقة توترًا. وما لم تكشف العاصمتان مزيدًا من التفاصيل، ستظل أوكرانيا والناتو وإيران أبرز الملفات المحتملة، بينما يبقى الهدف الحقيقي للمحادثات غير محسوم.


