جريدة الحرة بيروت
خاص ـ لم يحظَ اقتراح إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا بتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل بسبب مزاعم ارتكاب جرائم حرب في لبنان وفلسطين بدعمٍ كافٍ من وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي. مع ذلك، سيُحال اقتراح منفصل يتعلق بممتلكات المستوطنات إلى المفوضية الأوروبية.
رفض وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الدعوات لإنهاء التجارة التفضيلية مع إسرائيل على خلفية مزاعم ارتكاب جرائم حرب، مما يسلط الضوء على الانقسامات المستمرة داخل التكتل بشأن الشرق الأوسط.
ومع ذلك، قالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إن مزيدًا من المناقشات ستجري، بما في ذلك النظر في اقتراح من فرنسا والسويد بفرض تعريفات جمركية على البضائع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
الوضع في الضفة الغربية يتدهور سريعًا
تقول كالاس: “لا يمكننا أن نغفل عن غزة والضفة الغربية”، قبل الاجتماع الذي عُقد في لوكسمبورغ في 21 أبريل 2026، دعت حكومات إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا الاتحاد الأوروبي إلى “الوفاء بمسؤوليته الأخلاقية والسياسية، والدفاع عن القيم الأساسية التي استند إليها المشروع الأوروبي منذ تأسيسه”.
وجاء في الرسالة الموجهة إلى كالاس: “إن الأوضاع في غزة لا تُطاق، وتتسم باستمرار انتهاكات اتفاق وقف إطلاق النار وعدم كفاية دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع بشكلٍ واضحٍ”. وأضاف البيان: “إن الوضع في الضفة الغربية يتدهور سريعًا، مع تصاعد العنف ضد الفلسطينيين: المستوطنون المتطرفون يتصرفون دون عقاب”، في إشارة إلى ما وصفه بـ”الوفيات التي لا تُطاق” للفلسطينيين.
الدعم غير كافٍ بين الدول الأعضاء للمقترحات
تابعت كالاس إن الدعم غير كافٍ بين الدول الأعضاء للمقترحات، مع عدم وجود تغيير في المواقف لدعم التعليق الكامل أو الجزئي لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. يتطلب التعليق الكامل دعمًا بالإجماع من جميع الدول الأعضاء الـ27، بينما يتطلب التعليق الجزئي أغلبية مؤهلة، تمثل ما لا يقل عن 55% من الدول الأعضاء و65% من سكان الاتحاد الأوروبي. كانت النتيجة متوقعة على نطاق واسع، حيث لم يكن من المتوقع أن تدعم العديد من الدول الأعضاء الكبرى، بما في ذلك ألمانيا وإيطاليا، مثل هذه الإجراءات.
قلق ألماني بشأن التطورات في الأراضي الفلسطينية
انتقد عدد من دول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك ألمانيا، الحملة العسكرية الإسرائيلية المستمرة في المنطقة، فضلًا عن التطورات التشريعية الأخيرة في الكنيست. أوضح متحدث باسم المستشار الألماني فريدريش ميرز إنه “أعرب عن قلقه العميق إزاء التطورات في الأراضي الفلسطينية”.
تابع المتحدث إن ميرز أكد لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مكالمة هاتفية: “يجب ألا يكون هناك ضمٌّ جزئيٌّ فعليٌّ للضفة الغربية”. وقالت كالاس إنها ستحيل الاقتراح المقدم من السويد وفرنسا بشأن سلع المستوطنات إلى مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي، ماروش شيفكوفيتش، في الأيام المقبلة، على أساس أن المستوطنات تقع خارج نطاق اتفاقية الشراكة.
كما رفضت الادعاءات بأن الاتحاد الأوروبي يطبق معايير مزدوجة، مشيرة إلى أن التكتل “من بين أكبر الداعمين للفلسطينيين، بما في ذلك في جهود إعادة الإعمار”. وقالت: “قارنوا ما يفعله الآخرون من أجل غزة والفلسطينيين، وسترون أن الكثيرين يتجهون إلى الاتحاد الأوروبي للحصول على الدعم”.
في ضوء التطورات الأخيرة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن الموقف من إسرائيل والقضية الفلسطينية، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التعقيد السياسي داخل مؤسسات التكتل.
فرغم فشل المقترحات الداعية إلى تعليق اتفاقية الشراكة أو تقييد التجارة التفضيلية، فإن النقاش لم يُغلق، بل انتقل إلى مستويات أكثر تقنية مثل ملف سلع المستوطنات وإعادة تعريف حدود الالتزامات القانونية والاقتصادية للاتحاد.
من المتوقع أن يستمر الانقسام بين الدول الأعضاء، خاصة بين دول تدفع نحو مقاربة أكثر تشددًا على أساس الاعتبارات الحقوقية، ودول أخرى تفضل الحفاظ على قنوات التعاون القائمة مع إسرائيل خشية تداعيات اقتصادية وسياسية أوسع. هذا التباين سيجعل من صناعة القرار الأوروبي في هذا الملف عملية أكثر بطئًا وتعقيدًا، تقوم على التسويات الجزئية بدل القرارات الشاملة.
على المستوى المؤسسي، قد نشهد توسعًا في دور المفوضية الأوروبية بوصفها جهة تقنية قادرة على إعادة صياغة المقاربات دون الدخول مباشرة في قرارات سياسية حادة.
كما قد تتزايد أهمية الآليات القانونية المرتبطة بتصنيف المنتجات القادمة من المستوطنات، وهو ما قد يفتح الباب أمام إجراءات اقتصادية غير مباشرة لكنها مؤثرة على المدى المتوسط.
في المقابل، فإن استمرار التصعيد في الأراضي الفلسطينية سيبقي الضغط الشعبي والإعلامي قائمًا داخل أوروبا، وهو ما قد يدفع بعض الحكومات إلى تعديل مواقفها تدريجيًا دون إعلان قطيعة سياسية كاملة. كما أن تصاعد الأزمات الدولية الأخرى سيجعل من ملف الشرق الأوسط جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بدور الاتحاد الأوروبي العالمي وهويته الجيوسياسية.
يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو مرحلة إدارة أزمة طويلة الأمد، لا حسم نهائي فيها، بل توازنات دقيقة بين القيم المعلنة والمصالح الواقعية، في سياق دولي يتسم بتعدد الأزمات وتداخلها بشكل متسارع.


