
جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية واتساع نطاق المواجهة بين الطرفين، بدأت ملامح مرحلة جديدة في الاستراتيجية الأوكرانية بالظهور مع تولي وزير الدفاع الأوكراني بالوكالة يفغين خمارا مسؤولياته، حيث يركز توجهه على مفهوم “العمليات غير المتكافئة”، وهي استراتيجية تهدف إلى تعويض التفوق العسكري التقليدي للخصم عبر الاعتماد على أدوات مختلفة، تشمل الطائرات المسيّرة، والعمليات الخاصة، والهجمات الإلكترونية، والحرب المعلوماتية.
ولا يعني هذا التوجه تغيير طبيعة الحرب فقط، بل يعكس تحولًا في طريقة إدارة الصراع، إذ تسعى أوكرانيا إلى نقل جزء من المواجهة بعيدًا عن خطوط الجبهة التقليدية، عبر استهداف نقاط حساسة داخل العمق الروسي، وتعطيل القدرات اللوجستية والعسكرية، ورفع تكلفة العمليات على الجانب الروسي.
العمق الروسي هدف متزايد في الاستراتيجية الأوكرانية
يشير توجه خمارا إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد زيادة في الاعتماد على الضربات بعيدة المدى، خصوصًا باستخدام الطائرات المسيّرة والوسائل الإلكترونية. ويأتي ذلك امتدادًا لسياسات بدأت خلال فترة تولي وزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف، الذي ارتبط اسمه بتطوير القدرات التكنولوجية والعسكرية، وخاصة في مجال الطائرات المسيّرة والابتكار الدفاعي، قبل انتقاله إلى مهام مرتبطة بالأمن القومي.
وترى كييف أن استخدام الوسائل غير التقليدية يسمح لها بضرب أهداف استراتيجية دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القوة العسكرية الروسية، خصوصًا في المجالات التي تتمتع فيها موسكو بتفوق عددي وتسليحي. ومن هنا تركز الاستراتيجية الأوكرانية على إرباك خطوط الإمداد، واستهداف منشآت عسكرية واقتصادية، وتقليل قدرة القوات الروسية على استخدام بنيتها اللوجستية بكفاءة.
في المقابل، تنظر روسيا إلى هذا المسار باعتباره تصعيدًا في طبيعة الحرب، خاصة مع استمرار الهجمات على منشآت داخل أراضيها. وترى موسكو أن الضربات الأوكرانية تهدف إلى توسيع نطاق المواجهة ونقل الصراع إلى مناطق بعيدة عن خطوط القتال المباشرة.
التطورات الميدانية والحرب الإعلامية
تأتي هذه التحولات في وقت تشهد فيه الجبهة العسكرية تطورات متسارعة. فبينما تعلن وزارة الدفاع الروسية بصورة مستمرة عن تقدم قواتها والسيطرة على مواقع جديدة في مناطق مثل دونيتسك وسومي وخاركيف، تترافق هذه الإعلانات مع حرب إعلامية واسعة بين الطرفين حول حقيقة التطورات الميدانية وحجم السيطرة على الأرض.
كما تؤكد موسكو أنها تنفذ ضربات جوية تستهدف مواقع عسكرية ومنشآت مرتبطة بالقدرات الدفاعية الأوكرانية، في حين تتهمها كييف بأن بعض هذه الضربات تطال مناطق مدنية. وفي الجانب الآخر، كثفت القوات الأوكرانية استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ لضرب أهداف داخل روسيا، حيث طالت الهجمات منشآت مرتبطة بالطاقة والنقل، وأدت إلى أضرار وحرائق في عدد من المناطق. وتعكس هذه التطورات طبيعة الحرب الحديثة، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على السيطرة على الأراضي، بل أصبحت تشمل التأثير على الاقتصاد، والبنية التحتية، والقدرة على الاستمرار في العمليات العسكرية.
إعادة تعريف دور وزارة الدفاع الأوكرانية
يسعى خمارا إلى إعادة صياغة دور وزارة الدفاع الأوكرانية بحيث لا تقتصر مهمتها على إدارة العمليات العسكرية التقليدية، بل تمتد إلى تطوير أدوات الحرب الحديثة القائمة على التكنولوجيا والمعلومات. ويقوم هذا التصور على أن أوكرانيا لا تستطيع خوض مواجهة طويلة مع روسيا بالاعتماد على القوة العسكرية التقليدية وحدها، ولذلك تحتاج إلى وسائل أكثر مرونة وأقل تكلفة وأكثر قدرة على إحداث تأثير استراتيجي.
وفي مقابلات إعلامية، أوضح خمارا أن أوكرانيا تحتاج إلى العمل بطريقة “غير متكافئة”، مشيرًا إلى أن مواجهة روسيا من خلال تبادل الضربات التقليدية ليست الخيار الأكثر فاعلية بالنسبة لكييف. واستشهد بعملية “شبكة العنكبوت” التي نُفذت في يونيو/حزيران 2025، والتي اعتمدت على استخدام طائرات مسيّرة لضرب أهداف عسكرية روسية بعيدة عن ساحة المعركة.
مفهوم العمليات غير المتكافئة
تعتمد العمليات غير المتكافئة على استهداف نقاط الضعف لدى الخصم بدلًا من مواجهته في المجالات التي يمتلك فيها تفوقًا واضحًا. ولذلك أصبحت هذه الاستراتيجية ترتبط بشكل متزايد باستخدام التكنولوجيا الحديثة، مثل الطائرات المسيّرة، والهجمات الإلكترونية، وعمليات التأثير الإعلامي.
ويهدف هذا النوع من العمليات إلى تحقيق تأثير عسكري وسياسي أكبر من حجم الموارد المستخدمة، عبر إحداث أضرار في مواقع حساسة، أو تعطيل عمليات الخصم، أو التأثير على معنوياته وقدرته على إدارة الحرب. وفي الحالة الأوكرانية، يمثل هذا النهج محاولة لتعويض الفارق في القدرات العسكرية التقليدية مع روسيا، من خلال التركيز على السرعة، والدقة، والقدرة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى.
الإصلاحات الداخلية وتحديات التجنيد
إلى جانب الجانب العسكري، يواجه خمارا تحديات داخلية تتعلق بإدارة الموارد البشرية داخل القوات المسلحة الأوكرانية. فقد بدأت وزارة الدفاع عمليات مراجعة لمراكز التجنيد بهدف معالجة ملفات الفساد وتحسين آليات التعبئة العسكرية. كما تم تعزيز دور شخصيات مدنية وحقوقية داخل الوزارة، بهدف تطوير إدارة الموارد البشرية، وتحسين ظروف الخدمة العسكرية، ووضع قواعد أكثر وضوحًا تتعلق بحقوق العسكريين وواجباتهم.
لكن هذه الإجراءات أثارت نقاشًا داخل الأوساط السياسية والعسكرية الأوكرانية، إذ يرى بعض المراقبين أن معالجة الفساد، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لحل مشكلة نقص الأفراد، وأن التحدي الأكبر يتمثل في إيجاد وسائل جديدة لجذب المجندين، سواء من خلال تحسين الحوافز المالية أو توسيع الاعتماد على المتخصصين في المجالات التقنية، خصوصًا مشغلي الطائرات المسيّرة.
الحرب المعرفية والسيطرة على الوعي
لا تقتصر المواجهة الجديدة بين روسيا وأوكرانيا على المجال العسكري، بل تمتد إلى ما يعرف بالحرب المعرفية، حيث يصبح الرأي العام والمعلومات جزءًا من ميدان المعركة. وتسعى الأطراف المتحاربة إلى التأثير على تصورات المجتمعات، والحفاظ على الدعم الداخلي، وإضعاف قدرة الطرف الآخر على تعبئة موارده السياسية والاجتماعية. ولهذا برز دور الاتصالات الاستراتيجية، والحرب السيبرانية، وعمليات التأثير الرقمي كعناصر أساسية في الصراع.
وفي أوكرانيا، ظهرت مبادرات تهدف إلى تطوير قدرات مرتبطة بالتكنولوجيا العسكرية والطائرات المسيّرة والاتصالات الاستراتيجية، في محاولة لبناء منظومة أكثر تكاملًا بين العمل العسكري والمجال المعلوماتي.
مستقبل الصراع ومسار الحرب الحديثة
مع استمرار الحرب، يبدو أن المرحلة المقبلة لن تعتمد فقط على حجم القوات والأسلحة التقليدية، بل على قدرة الأطراف على استخدام التكنولوجيا، والمعلومات، والعمليات الخاصة لتحقيق أهداف استراتيجية. ويعكس توجه وزير الدفاع الأوكراني الجديد نحو “العمليات غير المتكافئة” تحولًا أوسع في طبيعة الصراع، حيث انتقلت المعركة من خطوط الجبهة فقط إلى العمق الجغرافي، والفضاء الإلكتروني، والمجال الإعلامي والنفسي.
وبينما تراهن أوكرانيا على هذه الأدوات لتعويض الفارق في القدرات العسكرية، ترى روسيا فيها تصعيدًا لأساليب الحرب غير التقليدية. وفي النهاية، فإن نجاح هذه الاستراتيجية أو محدوديتها سيعتمد على قدرة كل طرف على التكيّف مع طبيعة الحروب الحديثة التي تجمع بين القوة العسكرية والتكنولوجيا والمعلومات.


