جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ حطّت أولى المقاتلات البولندية من طراز “إف-35″، القادمة من الولايات المتحدة، في قاعدة واسك الجوية، في خطوة وُصفت بأنها لحظة تاريخية لسلاح الجو البولندي وبداية مرحلة جديدة في مسار تحديث الجيش وتطوير قدراته العسكرية.
أكد وزير الدفاع البولندي فواديسواف كوسينياك-كامييش أن مقاتلات “إف-35” التي تسلمتها بلاده من الولايات المتحدة “ستغيّر وجه القوات المسلحة البولندية”، مشيرا إلى أن تأثيرها لن يقتصر على سلاح الجو فقط. وقال كوسينياك-كامييش إن دخول هذه الطائرات الخدمة يمثل “لحظة مفصلية” في تطوير القدرات العسكرية لبولندا، مضيفا أن “الخبراء والجنود والإدارة عملوا لسنوات طويلة حتى يصبح هذا اليوم ممكنا”. كما أعلن أن 11 مقاتلة إضافية ستصل خلال الأسابيع المقبلة.
بولندا تعزز قدراتها الجوية
وكانت بولندا قد أبرمت صفقة لشراء 32 مقاتلة متعددة المهام من طراز “إف-35” المصنعة من قبل شركة “لوكهيد مارتن” الأميركية، ضمن مساعي وارسو لتحديث قواتها المسلحة وتعزيز حضورها العسكري داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”. وتُعد هذه الطائرات من بين الأكثر تطورا في العالم، وتستخدمها عدة دول أوروبية أعضاء في الحلف، من بينها المملكة المتحدة وألمانيا والنرويج وهولندا وبلجيكا وإيطاليا والدنمارك. ووصف مسؤولون في وزارة الدفاع البولندية وصول الطائرات بأنه “لحظة تاريخية”، فيما قال نائب وزير الدفاع تشيزاري تومتشيك إن بولندا باتت تمتلك “أحدث مقاتلة في العالم”.
وبحسب الوزارة، فإن الطائرات المتمركزة في قاعدة واسك تُعد أول مقاتلات “إف-35” تنتشر على الجناح الشرقي لـ”الناتو”، في خطوة ترى فيها وارسو دليلا على متانة شراكتها العسكرية مع واشنطن، وعلى تنامي دورها في المنظومة الدفاعية للحلف. وكانت بولندا قد وقعت عقد شراء المقاتلات عام 2020، وتبلغ قيمة الصفقة نحو 4.6 مليارات دولار، من دون الضرائب. ومن المتوقع استكمال تسليم جميع الطائرات بحلول عام 2030، فيما تقرر تنظيم مراسم رسمية لاستقبال أولى الطائرات في 12 يونيو/حزيران المقبل.
هل تعيد “إف-35” رسم التوازنات العسكرية على الجناح الشرقي لـ”الناتو”؟
يمثل وصول المقاتلة المتطورة إلى قاعدة “واسك” الجوية تحولاً نوعياً يتجاوز مجرد تحديث تقني لسلاح الجو البولندي، حيث تضع هذه الخطوة وارسو في موقع قيادي متقدم ضمن المنظومة الدفاعية لحلف شمال الأطلسي. إن دمج هذه الطائرات في القوات المسلحة يمنح الجيش البولندي قدرات تفوق تكنولوجي غير مسبوقة، من شأنها إعادة صياغة استراتيجيات الردع في المنطقة بأكملها. يمتد التأثير العميق لهذا السلاح ليشمل تطوير العمليات المشتركة وإدارة المعارك الحديثة، مما يعزز الحضور العسكري لبولندا كركيزة أساسية لحماية الحدود الشرقية للحلف في وقت تشهد فيه الساحة الدولية تجاذبات أمنية مكثفة.
يتجاوز البُعد المالي والزمني لهذه الصفقة البالغة قيمتها مليارات الدولارات الإطار الثنائي بين وارسو وواشنطن، ليؤكد عمق الشراكة الاستراتيجية ومحورية الدور البولندي الصاعد في العقيدة الدفاعية الغربية. إن استكمال تسليم هذه المقاتلات بحلول نهاية العقد الحالي، وتمركزها كأولى القواعد المتقدمة لهذا الطراز على الجبهة الشرقية، يرسخ مكانة بولندا كقوة إقليمية ضاربة قادرة على تنسيق العمليات الجوية المعقدة مع الحلفاء الأوروبيين. يمنح هذا التحول وارسو ثقلاً سياسياً وعسكرياً إضافياً يتيح لها صياغة قرارات الدفاع المشترك ومواجهة التحديات الأمنية الراهنة بكفاءة واقتدار.
تؤسس هذه الخطوة لمرحلة جديدة من التنسيق العملياتي المكثف مع الجيوش الأوروبية التي تعتمد الطراز ذاته، مما يحول بولندا إلى مركز ثقل دفاعي يربط شمال القارة بوسطها. إن قدرة هذه المقاتلات على تبادل البيانات الفورية وتنسيق الضربات المشتركة تمنح حلف “الناتو” مرونة وتفوقاً ميدانياً يغير قواعد الاشتباك التقليدية على الجبهة الشرقية. ومع تدفق بقية الطائرات المتعاقد عليها خلال الأسابيع المقبلة، تبدأ وارسو عملياً في فرض واقع عسكري جديد، يضمن لها الهيمنة الجوية ويفرض خطوطاً دفاعية متقدمة يصعب اختراقها أو تجاوزها.


