د. بشير عصمت*
جريدة الحرة ـ بيروت
الانتخابات البلدية في لبنان ليست مجرد استحقاق دستوري، بل هي اختبار حقيقي لمدى نضوج النظام السياسي المحلي وقدرته على التكيف مع متطلبات التغيير والتنمية. هذا الاستحقاق، الذي يُفترض أن يكون منصة للمنافسة الديمقراطية والإدارة المحلية، يتحول إلى مسرح “خفيف” يعكس أعمق أزمات النظام السياسي اللبناني. المجالس البلدية، بدلًا من أن تكون أدوات فعالة لتطوير المجتمعات وتحقيق العدالة الاجتماعية، تصبح مختبرات لإعادة إنتاج نفس النخب التقليدية التي أثقلت البلاد بالفشل والفساد. بدلًا من بناء ثقافة محلية حقيقية تُعزز من مفهوم المواطنة والمسؤولية المدنية، تتحول البلديات إلى منصات لتثبيت السيطرة واستغلال الموارد.
في غياب أي تقاليد محلية متراكمة، تحولت البلديات إلى مختبرات لإعادة إنتاج نفس الزعامات التقليدية التي أثقلت البلاد بالفشل والفساد. هذه الزعامات لا تسعى إلى تطوير مشاريع تنموية حقيقية بقدر ما تبحث عن تجديد سيطرتها على القرار المحلي، مستندة إلى شبكة من الولاءات العائلية والطائفية التي تُعيد إنتاج نفس الديناميات القديمة. هذا التشوه البنيوي في هيكلية البلديات اللبنانية يُضعف أي إمكانية لتحقيق تنمية مستدامة، حيث تتحول المجالس المحلية إلى أدوات لتحقيق المكاسب الشخصية وتصفية الحسابات السياسية. لا شيء في هذه الديناميات يوحي بوجود أي نية حقيقية لبناء نظام محلي مستقر أو تطوير ثقافة سياسية جديدة تخرج من عباءة العائلية والزبائنية.
ليس غريبًا أن تتحول الانتخابات البلدية إلى ساحات صراع على الولاءات العائلية، حيث تُستخدم شبكات العلاقات الشخصية والطائفية لضمان السيطرة على المجالس المحلية. المال الانتخابي يصبح هنا ليس مجرد استثناء، بل قاعدة راسخة في اللعبة السياسية، حيث تُنفق الأموال لضمان السيطرة على القرار المحلي، وتُستَخدم العلاقات العائلية كأدوات لتثبيت النفوذ السياسي. هذه الديناميات لا تترك مجالًا لأي تغيير حقيقي، بل تعيد إنتاج نفس الطبقات السياسية التي دمرت مؤسسات الدولة وأغرقتها في الفساد. هذه الأنماط المستمرة من الولاء العائلي والولاء الطائفي لا تعكس فقط فشلًا في بناء تقاليد بلدية محلية، بل تُكرس أيضًا مفاهيم السلطة الأبوية والتحكم الشخصي في القرار، ما يجعل أي محاولة للإصلاح أو التحديث شبه مستحيلة.
العزوف عن المشاركة في الانتخابات البلدية ليس مجرد مؤشر على تراجع الثقة في النظام السياسي، بل هو شهادة على انهيار الثقة في قدرة البلديات على تحسين حياة الناس. المواطنون يرون في هذه الانتخابات مجرد مشهد متكرر يعيد إنتاج نفس الوجوه والأفكار، حيث يُستغل التصويت لتجميل صورة نظام سياسي متهالك لا يعكس إرادتهم الحقيقية. هذا العزوف يعمق أزمة الثقة ويزيد من تهميش القوى التغييرية، ما يُبقي المجال مفتوحًا أمام النخب التقليدية لمواصلة السيطرة على القرار المحلي دون أي رقابة حقيقية. هذا الانسحاب يعكس شعورًا عامًا بالإحباط واليأس من إمكانية التغيير، حيث يفضل المواطنون الانسحاب من مشهد سياسي يكرر نفسه بلا نهاية، ويُعيد إنتاج نفس الوجوه والأنماط الفاسدة. هذا الانسحاب يعزز من سيطرة النخب التقليدية، ويُضعف أي فرصة لإصلاح حقيقي.
بدلًا من أن تكون البلديات أدوات لتحقيق العدالة والمساواة وتكريس مفهوم المواطنة، تحولت إلى مراكز لاستعراض القوة العائلية والطائفية، حيث يُستخدم الانتماء العائلي كمعيار رئيسي للترشح والانتخاب، وليس الكفاءة أو الخبرة. هذا التشوه في المفهوم البلدي يعكس خللًا عميقًا في الثقافة السياسية، حيث تظل الأولوية للولاءات الشخصية والعائلية، وليس للمصلحة العامة. في هذا السياق، يصبح الحديث عن الشفافية والنزاهة مجرد وهم، حيث تُستخدم البلديات كأدوات لتثبيت السيطرة السياسية، بدلًا من أن تكون منصات لإدارة الشؤون العامة.
اللامركزية، التي يُفترض أن تكون أساس العمل البلدي، تحولت إلى شعار فارغ في ظل غياب القوانين الفعالة والرقابة الحقيقية. البلديات، بدلًا من أن تكون أدوات لخدمة المجتمع وتحقيق التنمية، أصبحت مراكز لاحتكار السلطة والنفوذ، حيث تُستغل الميزانيات العامة لخدمة مصالح ضيقة، بعيدًا عن أي تخطيط تنموي جاد. هذه الديناميات تعكس فشلًا بنيويًا في إدارة الشؤون المحلية، حيث تتحول المجالس البلدية إلى مجرد منصات لتحقيق المكاسب الشخصية واستعراض القوة. في هذا السياق، تُصبح المجالس البلدية مجرد أدوات لتثبيت السيطرة السياسية وإعادة إنتاج نفس الزعامات التقليدية، بدلًا من أن تكون منصات للتنمية والإصلاح الحقيقي.
أكثر من ذلك، إن تحويل البلديات إلى أدوات للتحكم السياسي يعني تدمير أي أمل في بناء مجتمع محلي قوي ومستقل. فالبلديات في المجتمعات الديمقراطية يجب أن تكون مراكز للإبداع والإدارة الرشيدة، حيث يمكن للمواطنين أن يشاركوا بشكل فعال في صنع القرار المحلي بعيدًا عن أي تأثيرات خارجية أو ضغوط طائفية. لكن في لبنان، تحولت البلديات إلى مواقع للصراع على المكاسب والمحاصصة، حيث يتم تجاهل احتياجات الناس لصالح المصالح الشخصية والفئوية.
في النهاية، إن أي محاولة جادة لإصلاح النظام البلدي في لبنان يجب أن تبدأ بكسر احتكار السلطة المحلية وتحقيق الاستقلالية للمجالس البلدية بعيدًا عن الولاءات العائلية والطائفية. يجب إعادة الاعتبار للعمل البلدي كأداة للتنمية والخدمة العامة، وليس كوسيلة لتعزيز النفوذ والسلطة. هذا ما يتطلب إرادة سياسية جريئة، وتشريعات جديدة تحمي البلديات من استغلال الفاسدين وتعيد الثقة إلى المواطنين. في النهاية، يبقى الأمل في الناس، في قدرتهم على تجاوز النظام القديم وبناء تقاليد سياسية جديدة تعكس إرادتهم الحقيقية. إن التغيير الحقيقي يبدأ من القاعدة، حيث يمكن للأفراد والمجتمعات أن يفرضوا نماذج جديدة في العمل البلدي، قائمة على الشفافية والكفاءة والاستقلالية، بعيدًا عن أي هيمنة أو استغلال.
*باحث وأستاذ جامعي في التاريخ الاجتماعي والسياسات العامة


