
الحرة بيروت ـ بقلم: وليد المحب، مؤسِّس جمعيّة صَون حقّ التعبير
يردِّدُ أصدقاءٌ كُثُر: “Politics is a marketplace of ideas”، وكلّما سَمِعتُ هذه العِبارة، تبرَّمتُ حولَ نفسي صائِحًا بِألَم: “لا… السياسة في لبنان ليست سوقًا للأفكار كما ينبغي أن تكون، لكنّها سوقٌ لِلأوهام والمُزايداتِ والضغائِنَ والمَكائِدَ والجَهالات”!
كلُّ تلكَ الخِصالِ الكريهةِ تشكِّلُ في لبنان خلفيّة المُيولِ والمواقفَ السياسية! فأينَ الصوابُ السِياسيّ؟ وكيفَ يمكِنُ إقناعَ النخبةِ المتعلِّمةِ بذاكَ الصَواب؟
يريدُ أولئِكَ الأصدقاءُ القولَ بأنَّه ينبغي الإصغاء إلى آراء كلِّ الناس في كلِّ المَسائِل، وهُم في ذلكَ ينطلِقونَ مِن حقيقةٍ ظاهِرُها مَقبول وباطِنُها مَلغوم.
لا أحد يملِكُ الحقيقة المُطلقَة، هذا صحيح، لكن مَهلاً:
الديمقراطية العدديّة مَدفَن الفِكر؛ فلا يصحّ أن تُمارَسَ السياسة على طريقة “ما يطلبُهُ الجُمهور”، وأبلغ ما قيلَ في هذا المَجالِ هو قَولُ أفلاطون: “لو خُيِّرَت الحَمير لاختارَت الشَعير”، حيثُ أنَّ عامَّة الناسِ لا يعرفونَ صالِحَهُم، والواجِبُ السياسيّ هو السَعيُ إلى تَمريرِ ما يُفيدُ الناسَ ولو خالَفَ أهواءَهُم، على أن تسعى الممارسة السياسية إلى تقديم ما هو مكروه شعبيًّا في قوالِبَ مَرغوبَة قدر المُستَطاع، وهنا يُسهِمُ علم الاجتماع السياسي بنظرية “الوكزة” Nudge Theory حتى تقترِب خَياراتُ عامّةِ الناس، بدرجةٍ أكبر، نحوَ ما ينفعُ المجتمع بأسرِه.
نِصفُ المَعرِفَة أخطر مِن عدمِ المَعرِفَة؛ وقد اقتصرَت معرفة الأصدقاء، أصحاب مقولة “السياسة سوق للأفكار”، على أنَّ عِلمَ السياسة انطلَقَ مِنَ الفلسفةِ ومِنَ النظريات الطوباوية، وهذا صحيح، لكنَّهُم لم يُواكِبوا جديدَ عِلمِ السياسةِ الذي خرجَ كليًّا مِنَ “الميتافيزيك” وصارَ مِنَ العلوم التي لها أصولها وقواعدها، بل وحتى تجاربها المُثبَتَة، لا سِيَّما مع ظهور النظرية السياسية.
الفاجِر أكل مال التاجِر؛ وبعد أن عَمِلَت الميليشيات في لبنان طيلةَ عشرات السنين على تكريس المشاعِرِ السلبيةِ بينَ شرائِحَ الشَعب، باتَ معظمُ الناسِ يهتمّون بالشأن العام ليس مِن منطلق البهجة والتحسين والانجِذاب إلى ما هو أجمل وأجدى، بل مِن منطلق الكآبة والخوفِ مِنَ الآخَر “البُعبُع”، حتى صار الشأن العام اللبناني حفلة جنون جَماعي ومشاعر سلبية متدفّقة، تحول دون إعمال العقلِ بشكلٍ سليم. ولو كانت لدينا أحزاب وطنية بدلاً مِنَ الميليشيات، لصحّ القول بأنّ السياسة سوق أفكار، وروّاد سوق السياسة في الأصلِ هُم مِنَ النُخَبِ المثقفة سياسيًّا، التي تعمل داخليًّا في مكاتبها على عقدِ جلساتِ عصفٍ ذهني، وتعمل خارجيًّا في تعاطيها مع بقيّة الأحزاب الوطنية على قدحِ الآراء بِبَعضِها البعض، وصولًا إلى بريق الصواب الذي يحقِّقُ معادلة رابح-رابح.
يخطئ كثيرًا مَن يعتقد أن السياسة في لبنان يجب أن تكون سوقًا لِلأفكار، فمع التجهيل المُتَعَمَّدِ لأبناء المجتمع، تبرز الحاجة إلى نخبة تغييريّة فوقَ العادة، تفهم بعمق متطلّبات النهوض، وتوقِنُ أن لا تغيير في لبنان إلا بتغيير النظام السياسي وركيزته الدستور.
ختامًا، لا يصُحّ أن ننتظر مِنَ العامة معرفة الأبعاد السياسية والمَرامي الحضارية، وهم غارقون في الأمّية السياسيّة. فعلى سبيل المثال، تجهل العامة أنَّ لها حقوقًا عصبية منتهكة في زحمة السير، التي مِن بين أسبابها عدم وجود قطار، وتجهل أن الحقوق العصبية باتت تشكل الفئة الخامسة مِن حقوق الإنسان التي بدأت الدساتير الحديثة تلحظها؛ فكيف نستمزِج آراء مَن لم يسمعوا حتى بالفئة الخامسة مِنَ الحقوق، وهم يجهلون أن دستور بلادهم لم ينصّ أصلًا على الفئة الأولى منها؟ أليسوا يختلفون على وجوب إزالة أو إبقاء صور الزعماء والشهداء على طريق الأوزاعي مثلًا؟! وكيف نأخذ رأي عامّة الناس، ومنهم مَن يطالب بقانون الصوت الواحد في الانتخابات، عِلمًا بأنّه يعزِّز قبضة الميليشيات على البلاد ويعيق ظهور أحزاب وطنية؟ كيف نشرك في الشأن السياسي مَن يُفَكِّرُ حسابيًّا، وهذا أمر مطلوب في شتى مجالات الحياة، ولا يُفَكِّرُ هندسيًّا كما تفترِض المَلَكَة الذهنيّة السياسيّة؟!


