الحرة بيروت ـ بقلم: وليد المُحِبّ، مؤسس جمعية صون حق التعبير
يقولون: “كلامُ الرئيسَينِ عَون وسَلام رائِع وتَبقى العِبرَةُ بِالتَنفِيذ”.
لَم يَسَعني أن أتجاهَلَ نِداءَ الواجِبِ في تَشريحِ هذهِ المَقولَة، كما هوَ الحالُ دَومًا معَ مَقولاتٍ تَهيمُ في فَضاءِ السِياسَةِ اللبنانيّة، جاعِلَةً قَضايا الشأنِ العامِّ أَكَماتٍ تُخفي وراءَها ما يُشَوِّشُ أفهامَ الناس. فَعِندَما يكونُ الخطأ في مَضمونِ الكلام، فإِنَّ العِبرَةَ لا تكمُنُ في تَنفيذِه بَل في مَضمُونِه، وقد جاءَ كلامُ الرئيسَينِ مُجافٍ لِبَدِيهيّاتِ عِلمِ الاجتِماعِ السِياسِيّ.
بعضُ الأصدقاءِ لا يُعجِبُهُم رَفضُنا لِما وَرَدَ على لِسانَي رئِيسَي العَهدِ الجَديد، إِذ يَظنُّ أولئِكَ الأصدِقاءُ أنَّ دَعمَ هذا العَهد وتأيِيد رُموزِهِ هوَ مِن ضَروراتِ نُهوضِ لبنان، ونحنُ أيضًا نؤمِنُ بِوُجوبِ دَعمِ هذا العَهد، إنَّما بِعُيونٍ مَفتوحَة! وللأسَف، يَتَسَرَّعُ بعضُ الأصدِقاءِ بِتَصنيفِنا في خانَةِ قِوى الشَدِّ العَكسيّ، لِمُجَرَّدِ رفضِنا السُكوتَ عمَّا نَراهُ خَطرًا يُهَدِّدُ نَجاحَ العَهد، ويُدخِلُ لبنانَ في نَفَقٍ جَديدٍ هُوَ امتِدادٌ لِلنَفَقِ الذي نُوشِكُ أن نَخرُجَ مِنهُ، ولذلِكَ نَستَلُّ القَلَمَ سَعيًا إلى تَصويبِ المَسار.
كيفَ يُفَكِّرُ هؤلاءِ الأصدِقاء؟
هؤلاءِ الأصدِقاءُ يَظُنّونَ أنَّ التخَلّي عَن اتِفاقِ الطائِف – الذي أنهى الحَرب – هوَ رُجوعٌ إلى الحَرب. هكذا وبِهذِهِ السَطحِيَّةِ في التَفكير، دونَ مُحاوَلَةِ إعمالِ العَقلِ بِأَيِّ خَيارٍ آخَر. فإمّا تَطبِيقُ الطائِفِ وإمّا عَودَةُ الاقتِتال، وهذا مِثالٌ صارِخٌ على عَقلِيَّةِ الشُحِّ والنَدرَة، في حِين أنَّ الإبداعَ السِياسِيَّ يَستَوجِبُ تَوَفُّرَ عَقلِيَّةِ الوَفرَة Mentalité d’Abondance.
يَرى بعضُ الأصدِقاءِ الذينَ يُصَنِّفونَنا في خانَةِ قِوى الشَدِّ العَكسيّ، أنَّ الطقمَ السُلطَوِيَّ السابِق مُمتَعِضٌ اليومَ مِن وُصولِ الرَئيسَينِ عَون وسَلام إلى السُلطَة، وبالتالي – بِرَأيِهِم طَبعًا – فإنَّ أيِّ شَخصٍ لا يُؤَيِّدُ الرئيسَينِ هُوَ حَتمًا يَخدُمُ مَصالِحَ الطَقمِ السُلطَوِيِّ السابِق. والصَحيحُ، أنَّ هؤلاءِ الأصدِقاء هُم ضَحايا مُغالطةٍ عَقلِيَّةٍ شَهيرَة، ألا وهيَ مُغالطةُ الارتِباطِ والسَبَبِيَّة Corrélation et Causalité.
والبَعضُ الآخرُ مِن هؤلاءِ الأصدِقاء يستنِد إلى أن غالبية اللبنانيِّنَ مُقتَنِعونَ بِضَرورَةِ تَطبيقِ الطائف، وغاب عن هؤلاء أن السياسة ليست إعطاء الناس ما يريدونه بل تقديم ما ينفعهم، وبين ما يريدونه وما ينفعهم بَونٌ واسعٌ يَكتَشِفُهُ حُكَماءُ عِلمِ السياسةِ ويَعمَلُ على تطبيقِهِ رِجالُ الدَولة (النِساءُ ضِمنًا). كما أنَّ القولَ “غالِبِيَّةُ الناسِ مُقتَنِعونَ بِضَرورَةِ تَطبيقِ اتِفاقِ الطائِفِ” يَنطَوي على مُغالَطَةٍ عَقلِيَّةٍ شَهيرَةٍ هيَ مُغالَطَةُ الاحتِكامِ إلى العامَّة Sophisme de faire appel à la foule.
حقيقة مؤلِمَة
الحَقيقةُ كالنَحلَة، في جَوفِها عَسَلٌ وفي ذَنَبِها إِبرَة. وإنَّ تَطبيقَ ما وَرَدَ في كلامِ الرَئيسَينِ برأيِنا يُعيقُ نُهوضَ لبنانَ ويُبَدِّدُ حُلمَنا الجَميل. لذلِكَ فإِنَّنا لا نَفرَحُ بِكلامِهِما بِالوَقتٍ الذي نَرى فيهِ بِدءَ تَحَوُّلِهِ إلى سَراب، وما النَكَدُ السِياسِيُّ الذي نَشهَدُهُ في تَأليفِ حُكومَةِ العَهدِ الجَديدِ إلا الدَليلُ على صَوابِيَّةِ رأيِنا.
حَدِّث العاقِل بِما يليق؛ وكلّ العَجَبِ في إصرارِ الرئيسَينِ على تَطبيقِ اتِفاقٍ عتيقٍ فاشِلٍ، هُم أنفُسُهُم يَقولانِ عَنه: “سَنَعمَلُ على تَطبيقِ ما لم يُطَبَّق مِنَ اتِفاقِ الطائِف وعلى تَصحِيحِ ما تَمَّ تَطبِيقَهُ خَطأ مِن هذا الاتِفاق”! وهذا الكلامُ بِحَدِّ ذاتِهِ يَشي، بَل ويَصيحُ مُؤَكِّدًا، أنَّ هُناكَ أمرًا ما يُثيرُ الارتِياب Quelque chose qui cloche.
إذا كانَ الطقمُ السُلطَوِيُّ السابِقُ مُمتَعِضًا مِنَ الرئيسَين، فإنَّ رَفضَنا لِمَضامِينِ تَصاريحِهِما لا يَعني أبدًا أننا ضِدَّ العَهدِ الجَديد، بَل إِنَّنا نُمارِسُ حَقَّنا المَشروع في التَعبيرِ لِتَصويبِ مَسارِ العَهد، وتَحدِيدًا لِجِهَةِ مُتَطَلِّباتِ استِيلادِ الجُمهُورِيَّةِ اللبنانيَّةِ الثالِثة، عِوَضًا عنِ استِمرارِ الرَئيسَينِ بِتَبجيلِ الدُستورِ المُتَرَهِّل، وكذلِكَ التِزامِهِما بِاتِفاقِ الطائِفِ الذي وُضِعَ لإنهاءِ حَرب، لا لِبِناءِ وَطَن.
أسبابُ رَفضِنا لِكلامِ الرئيسَينِ بِشأنِ اتِفاقِ الطائِف
إنَّ اتِفاقَ الطائِفِ هُوَ امتِدادٌ لِدُستورِنا المُهتَرئ، وإذ نَرفُضُ كلامَ الرَئيسَين عَون وسَلام حَولَ اتِفاقِ الطائف، نَقتَرِحُ بَدَلاً مِن ذلِكَ الشُروعَ في صِياغَةِ دُستورٍ جَديد، لِلأسبابِ التالِيَة:
- مِن شأنِ صِياغَةِ دُستورٍ جَديدٍ سَحبَ القدرَةِ التَعطِيلِيَّةِ لدى أيّ طرفٍ سِياسِيٍّ في لبنان، بَينَما تَطبيقُ الطائِفِ يُبقي الحالَ على ما هوَ عليهِ مِنَ انسِدادٍ سِياسِيٍّ يَظهَرُ جَلِيًّا وعلى نَحوٍ مُؤذٍ عِندَ كلِّ استِحقاق دُستورِيّ.
- معَ دُستورٍ جَديدٍ صاغَتهُ عُقولٌ لبنانِيَّة، نُثبِتُ لأنفُسِنا ولِلعالَمِ أجمَع أنّنا قَد بَلَغنا رُشدَنا السِياسِيَّ ونَستَطيعُ أن نَحكُمَ أنفُسَنا بِأنفُسِنا، بَينَما تَطبيقُ الطائِفِ سَيُبقي لبنانَ في نَظَرِ المُجتَمَعِ الدَوليِّ كَطِفلٍ يأبى الفِطام، يَحبُو حَبوًا ولا يَمشي.
- معَ صِياغَةِ دُستُورٍ جَديدٍ نَكونُ قَد عَبَّرنا بِنَصٍّ مَكتوبٍ عَن عَقدٍ اجتِماعِيّ، وذاكَ أساسٌ في كلِّ دُوَلِ العالَم، بَينَما تَطبيقُ الطائِفِ سَيُبقي لبنانَ في مُستَنقَعِ التَعاقُدِ الطائِفِيِّ الذي لا يُنتِجُ إلا التَحاصُصَ والزبائِنِيَّةَ والكَيدِيَّة السِياسِيَّة.
- معَ صِياغَةِ دُستُورٍ جَديدٍ نكونُ قَد أعمَلنا الخَيالَ السِياسِيّ، بَينَما تَطبيقُ الطائِفِ يَزدَري الخَيالَ السِياسِيَّ الذي هُوَ مَنبَعُ الحَيَوِيَّةَ السِياسِيَّة.
- معَ صِياغَةِ دُستُورٍ جَديدٍ نكونُ قَد فَكَّرنا خارِجَ الصُندوقِ وطَبَّقنا أساليبَ التَفكيرِ الحَدِيثَةِ كالتَفكيرِ النَقدِيِّ والتَفكيرِ العَكسِيّ، بَينَما تَطبيقُ الطائِفِ يُكَرِّسُ الخُمولَ الذِهنِيَّ ويُطفِئُ العُقول.
- مِن شأنِ صِياغَةِ دُستورٍ جَديد، لا سِيَّما تَضمِينهُ مَبدَأ تَفريعِ السُلطَة، إيجاد وكَزاتٍ لِتَوسيعِ المُشارَكَةِ السِياسِيَّة ولإعمالِ الفِئَةِ الرابِعَةِ مِن حُقوقِ الإنسان، بَينَما تَطبيقُ الطائِفِ يُبقي على إقصاءِ المُواطِنينَ عَنِ المُشارَكَةِ السِياسِيَّةِ الفَعَّالة، ويَبقى الشَعبُ مُتَعَطِّشًا لِحُقوقِهِ، ولا سِيَّما السِياسِيَّةِ والاقتِصادِيَّة منها.
- معَ صِياغَةِ دُستُورٍ جَديدٍ نَحصَلُ على نَصٍّ قانونيٍّ لَهُ أسنانٌ تَعَضُّ كلَّ مَسؤولٍ تُسَوِّلُ لَهُ نَفسُهُ العُزوفَ عَن تَطبِيقِ الدُستور، بَينَما تَطبيقُ الطائِفِ يَترُكُ أيدي المَسؤولينَ طليقَةً، بَل ويَخلُقُ لَهُم حافِزًا كَي يَعيثوا في البِلادِ نَهبًا وفَسادًا.
- مِن شأنِ صِياغَةِ دُستورٍ جَديدٍ أن تُقَرَّ صَلاحِيَّاتٍ واسِعَةٍ لِلبَلدِيّات، فَتُصبِحُ حُكوماتٍ مَحَلِّيَّةٍ تَحصَلُ مِن خِلالِها الجِبايَة والإنفاق، وتُتيحُ تَوأَمَةَ المُدُنِ اللبنانِيَّةِ معَ مُدُنِ الخارِج، بِما يُسهِمُ في نَهضَةٍ شامِلَةٍ ويَضمَنُ نَجاحَ الإنماءِ المُتَوازِن، بَينَما تَطبيقُ الطائِفِ يُبقي العَمَلَ البَلَدِيَّ أسيرَ السُلطَةِ المَركَزِيَّةِ التي لَم تَتَرَدَّدَ في اختِلاقِ الصُندوقِ البَلدِيِّ المُستَقِلِّ حتى تَسهُلَ على السُلطَةِ سَرِقَة أموالِ كُلِّ البَلدِيّات بِسُهولَة.
- معَ صِياغَةِ دُستُورٍ جَديدٍ يُجَرِّمُ الطائفية، لا سيّما معَ حَتمِيَّةِ ولادَةِ قانونِ انتِخابٍ مُتَّسِقٍ معَ الدُستورِ يَخلو مِنَ القَيدِ الطائِفيّ، سَتَرتَفِع إمكانِيَّةُ وِلادَةِ أحزابٍ وَطَنِيَّةٍ مِن رَحِمِ قانونِ الانتِخابِ الوَطنِيِّ، أمّا معَ تَطبيقِ الطائِفِ فلا شيءَ يَمنَعُ بَقاءَ الطابَعِ الطائِفيِّ لِقانونِ الإنتِخابِ، مِمّا يُنعِشُ الميليشياتِ ويَمنَعُ وِلادَةَ أحزابٍ وطنِيَّة.
إنَّنا نَرى حالَ مَن يُصِرُّ على تَطبيقِ اتِفاقِ الطائِفِ وكأنَّهُ واحِد مِنَ ثلاثِ حالات، مَعَ إمكانِيَّةِ اجتِماع تِلكَ الحالاتِ معَ بَعضِها البَعض:
- قليلُ الدِرايَةِ بِعِلمِ الدَستَرَة
- مُتَحَيِّزٌ عَقلِيًّا لإرثِ الشَهيدِ رَفيق الحَريري
- تَسوقُهُ المُجامَلَةُ ويَعمَلُ وِفقًا لِلرَغبَةِ السُعوديّة
خِتامًا، إذا احتَكَمَ الرئيسانِ عَون وسَلام لعِلمِ السِياسَةِ، وعملا لأجل الوطن وأجياله القادمة، سَنَكونُ مُجَنَّدِينَ لإنجاحِ عَهدِهِما.


