جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

يتزايد في الأوساط السياسية والإعلامية الغربية الاهتمام بملف تقييد واردات النفط الروسي، في سياق يبدو أنه يتجاوز البعد الاقتصادي التقليدي ليقترب أكثر من اعتبارات الأمن البحري وإعادة تعريف أدوات الضغط الجيوسياسي. وفي هذا الإطار، يُتوقع أن يحتل موضوع ما يُعرف بـ”الأسطول الروسي غير الرسمي” موقعًا بارزًا على طاولة النقاشات خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقبلة في أنقرة، حيث تتقاطع ملفات الطاقة مع الحرب في أوكرانيا ومعادلات الردع بين روسيا والغرب.
حماية شبكات النقل من عبر الصادرات الروسية
تعود جذور هذا الاهتمام المتجدد، وفق ما تطرحه بعض التقارير الغربية، إلى تزايد المخاوف من استخدام شبكات النقل البحري المرتبطة بصادرات النفط الروسية خارج القنوات التقليدية، وما يرافق ذلك من اتهامات تتعلق بالتحايل على العقوبات أو إعادة توظيف بعض السفن في سياقات تتجاوز الدور التجاري. وفي هذا السياق، برز تقرير صادر عن مركز أبحاث بريطاني بارز، أعاد طرح فرضية أكثر حساسية، مفادها أن روسيا قد تكون استخدمت ناقلات نفط تحمل أعلام دول أخرى في أنشطة مرتبطة باختبار أنظمة الدفاع الجوي في بعض الدول الأوروبية عبر طائرات مسيّرة.
ورغم أن هذه الادعاءات لم تتحول بعد إلى اتهامات رسمية صادرة عن حكومات بعينها، إلا أن تداولها في صحف كبرى مثل الغارديان وفايننشال تايمز يعكس انتقالها من مستوى التحليل البحثي إلى فضاء النقاش العام، وهو ما يمنحها قابلية للتطور السياسي لاحقًا، حتى وإن بقيت في الوقت الراهن ضمن نطاق الفرضيات غير المثبتة.
دور المنظمة البحرية الدولية
بالتوازي مع ذلك، يبرز بعد مؤسسي مهم يتعلق بدور المنظمة البحرية الدولية (IMO)، حيث دفعت أوكرانيا باتجاه إعادة النظر في الوضع القانوني لناقلات النفط والغاز الروسية الخاضعة للعقوبات، من حيث إمكانية اعتبارها جزءًا من منظومة تمويل العمليات العسكرية. غير أن هذا الطرح ما زال يفتقر إلى رد دولي حاسم، ما يعكس حساسية الانتقال من العقوبات الاقتصادية إلى إعادة تصنيف الأصول البحرية كأدوات ذات طابع شبه عسكري.
اسطول الظل الروسي يخضع للقيود الدولية البحرية
على الأرض، تتعامل بعض الدول الأوروبية مع هذه السفن ضمن إطار إنفاذ العقوبات، عبر إجراءات تفتيش أو احتجاز أو غرامات مالية، كما في حالة السفينة “تاجور”التي احتُجزت في فرنسا، قبل أن تُفرض عليها لاحقًا غرامة مالية. غير أن هذه الإجراءات، رغم رمزيتها، لا ترقى حتى الآن إلى مستوى تغيير جذري في قواعد الملاحة الدولية أو إغلاق هذا المسار التجاري بالكامل.
في خلفية هذا المشهد، يظهر أيضًا البعد السياسي الأوروبي الداخلي، حيث تتأثر وتيرة النقاشات بتغير رئاسات الاتحاد الأوروبي وتوازنات مواقفه بين دول أكثر تشددًا تجاه موسكو وأخرى تميل إلى مقاربات أكثر حذرًا. ويُنظر إلى رئاسة أيرلندا للاتحاد، مقارنة بمواقف سابقة لدول أخرى، باعتبارها عاملًا قد يساهم في تسريع بعض مسارات التشدد، خصوصًا في ما يتعلق بملفات الأمن البحري والطاقة ودعم أوكرانيا.
الدعم الغربي بوجه الغزو الروسي
ولا تنفصل هذه التحولات عن الحضور الأوكراني المتواصل في الساحة الدبلوماسية الأوروبية، حيث تسعى كييف إلى توسيع دائرة الضغط على روسيا عبر ربط ملف الطاقة بتمويل الحرب، ودفع مؤسسات دولية إلى إعادة النظر في تصنيفات السفن المرتبطة بالصادرات الروسية. وفي المقابل، يرافق هذا الحراك خطاب سياسي أوروبي داعم لأوكرانيا، يتجلى في مواقف رسمية تؤكد استمرار دعمها ورفض فرضيات “الحياد” تجاه الصراع.
إلى جانب ذلك، لا يغيب البعد الرمزي والصراعي الناعم عن المشهد، حيث تتسع دائرة الجدل لتشمل المجال الرياضي. فداخل هذا الإطار، تُطرح مقترحات داخل البرلمان الأوروبي ومؤسسات رياضية أوروبية تدعو إلى إعادة النظر في مشاركة الرياضيين الروس في بعض البطولات، بما في ذلك بطولات الفئات العمرية، في مقابل توجهات أخرى داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ترى أن الإقصاء الكامل قد يؤدي إلى تعميق الانقسام بدل معالجته. وبين هذين الاتجاهين، يستمر التباين بين سياسات “الإبقاء على الحظر”و”العودة المشروطة”، ما يجعل الرياضة ساحة إضافية لقياس التوتر السياسي الدولي.
وفي خلفية أوسع، تُستحضر قراءات فكرية وإعلامية روسية تعتبر أن العالم دخل مرحلة جديدة من التحولات البنيوية، تتجاوز الاستقرار النسبي للنظام الدولي السابق، نحو مرحلة توصف بأنها إعادة تشكيل شاملة لموازين القوى. ووفق هذا التصور، لم تعد التغيرات الجارية مجرد أزمات منفصلة، بل مؤشرات على انتقال النظام العالمي إلى مرحلة تتسم بإعادة توزيع النفوذ، وتغير قواعد الاقتصاد والطاقة والسياسة، حيث يصبح “البقاء” هو المعيار الأبرز في ظل بيئة دولية أكثر تقلبًا وتعقيدًا.


