جريدة الحرة
خاص ـ أفاد استطلاع للرأي أجرته مؤسسة YouGov لأبحاث الرأي العام لصالح وكالة الأنباء الألمانية أن غالبية الألمان يعتبرون دور الحكومة الألمانية في المحادثات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ولبنان هامشيا.
ومع ذلك، فإن تحركات اللاجئين في هذه المنطقة تؤثر عادة على ألمانيا. فأكثر من ثلاثة أرباع الألمان لا يعتقدون أن الحكومة الألمانية تسهم بشكل فعال في تهدئة الوضع المتفجر في الشرق الأوسط.
عند سؤال المشاركين: “ما مدى قوة تأثير الحكومة الفيدرالية الألمانية، إن وجد، على الجهود الدولية الرامية إلى التوصل إلى محادثات سلام في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في الشرق الأوسط؟”، أجاب 42% منهم: “ليس قويا على الإطلاق”. ووفقا للاستطلاع، قيم 35% من الناخبين المؤهلين هذا التأثير بأنه “ضعيف إلى حد ما”.
تسعة بالمئة فقط يرون أن برلين لها تأثير قوي
يرى 7% فقط من المواطنين الألمان البالغين أن تأثير حكومة المستشار فريدريش ميرز (من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU) على المفاوضات قوي إلى حد ما. بينما يرى 2% فقط ممن شاركوا في الاستطلاع الذي أجري خلال أبريل 2026 أن التأثير قوي جدا. وامتنع 14% من المستطلعين عن إبداء رأيهم.
بدأت الحرب في 28 فبراير من العام 2026 بغارات جوية مكثفة شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على أهداف إيرانية، أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. وردت إيران، مدعومة بجماعة حزب الله في لبنان، بهجمات مضادة. وإلى جانب الأهداف في إسرائيل، استهدفت قواعد عسكرية أمريكية وأهداف أخرى في دول الخليج العربي.
يسري وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين حتى 22 أبريل من العام 2026. وتجري مفاوضات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بوساطة باكستانية، للتوصل إلى حل دائم، لكنها لم تسفر عن نتيجة. ولا تعتبر إسرائيل نفسها ملزمة بوقف إطلاق النار فيما يتعلق بغاراتها الجوية ونشر قواتها البرية في لبنان. ويواصل حزب الله إطلاق الصواريخ على إسرائيل.
الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية هو نهج معقول
يشعر العديد من الألمان بالحيرة إزاء سبل إقناع الأطراف المتحاربة بالتراجع. أجاب ما يقرب من نصفهم (46%) بـ”لا أعرف” على سؤال حول الجهة التي ينبغي للحكومة الألمانية والاتحاد الأوروبي ممارسة المزيد من الضغط عليها لمنع تصعيد جديد. أيد 19% من المشاركين الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة، بينما رأى 12% أن زيادة الضغط على إيران أمر منطقي. ويعتقد 1% فقط من المشاركين في الاستطلاع أن زيادة الضغط على دول الخليج العربي، أو لبنان، أو دول أخرى سيكون فعالا.
تحقيق استقلال أكبر عن الولايات المتحدة الأمريكية
لكن الصورة تتضح أكثر فيما يتعلق بالعواقب طويلة الأمد التي ينبغي على الاتحاد الأوروبي استخلاصها. فعند سؤالهم: “ما هو الدرس الرئيسي الذي ينبغي على الاتحاد الأوروبي تعلمه من الحرب الإيرانية، برأيكم؟”، اختار 47% من المشاركين الإجابة: “ينبغي على الاتحاد الأوروبي السعي نحو مزيد من الاستقلال عن الولايات المتحدة الأمريكية”.
ولم تلاحظ أي اختلافات في الرأي بين الألمان في ألمانيا الشرقية والغربية حول هذه النقطة. لم يؤيد سوى واحد من كل عشرة (10%) من بين أكثر من 2100 مشارك في الاستطلاع، الاستنتاج القائل بضرورة سعي الاتحاد الأوروبي لتحسين علاقاته مع الولايات المتحدة.
ويعتقد 17% من الألمان أنه نتيجة للحرب، من الصواب أن تكثف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تعاونها العسكري. يعتقد 7% من الألمان أن على الاتحاد الأوروبي أن يتدخل سياسيا بشكل أكبر في الشرق الأوسط نظرا لقربه الجغرافي. ويرى 3% منهم دروسا أخرى من الحرب الإيرانية ينبغي على الاتحاد الأوروبي استخلاصها. بينما لا يشعر 16% منهم بأنهم مؤهلون لإبداء رأيهم في هذه المسألة.
مؤيدو حزب البديل يدعون إلى توثيق العلاقات مع واشنطن
بحسب استطلاع رأي، يعتقد عدد كبير من مؤيدي حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) والحزب الديمقراطي الحر (FDP) أن على الاتحاد الأوروبي أن يسعى للتقارب مع الولايات المتحدة نتيجة لهذه الحرب، التي لم يتم التشاور بشأنها مسبقا من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. في المقابل، فإن نسبة المواطنين الألمان الذين يحملون هذا الرأي منخفضة للغاية بين أولئك الذين صوتوا مؤخرا لحزب الخضر، أو حزب اليسار.
وصل العديد من الإيرانيين إلى ألمانيا بعد الثورة الإيرانية
تضم ألمانيا أكبر جالية إيرانية في أوروبا. وقد حصل العديد من اللاجئين والعمال المهاجرين الإيرانيين الذين قدموا إلى ألمانيا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي أي بعد الثورة الإيرانية على الجنسية الأمريكية منذ فترة طويلة.
ووفقا لوزارة الداخلية الاتحادية، بلغ عدد المواطنين الإيرانيين المقيمين في ألمانيا 161,817 شخصا بنهاية شهر يناير 2026. وفي يناير وفبراير من العام 2026، قبلت 35% من طلبات اللجوء المقدمة من الإيرانيين في ألمانيا والتي بت فيها المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين. ولا يشمل هذا الرقم الحالات التي رفضت لأسباب شكلية، كأن تكون دولة أخرى من دول الاتحاد الأوروبي هي المسؤولة عن هذه الطلبات.
تشير نتائج الاستطلاع إلى فجوة متنامية بين الطموح الأوروبي والقدرة الفعلية على التأثير في أزمات الشرق الأوسط. في المدى القريب، من المرجح أن يستمر الدور الألماني ضمن إطار دبلوماسي محدود، يركز على الدعم الإنساني واستقبال اللاجئين أكثر من الانخراط السياسي المباشر.
هذا التوجه قد يعزز صورة ألمانيا كفاعل إنساني، لكنه في الوقت ذاته يكرس إدراكا داخليا وخارجيا بضعف النفوذ السياسي في الملفات الساخنة.
على المدى المتوسط، قد تدفع هذه القناعات داخل ألمانيا والاتحاد الأوروبي نحو إعادة صياغة أدوات السياسة الخارجية، خاصة مع تزايد الدعوات إلى الاستقلال عن الولايات المتحدة.
إذا تُرجمت هذه الرغبة إلى سياسات عملية، فقد نشهد استثمارات أكبر في القدرات الدفاعية الأوروبية، وتفعيل قنوات دبلوماسية مستقلة مع أطراف إقليمية مثل إيران ودول الخليج. غير أن تحقيق ذلك سيظل مرهونا بقدرة الدول الأوروبية على تجاوز تباين مواقفها الداخلية.
أما على المدى البعيد، فمن المتوقع أن يتجه الاتحاد الأوروبي نحو نموذج “القوة المتوازنة”، الذي يجمع بين النفوذ الاقتصادي والقدرة العسكرية المحدودة والدبلوماسية متعددة الأطراف.
في هذا السياق، قد تسعى برلين إلى لعب دور الوسيط في أزمات محددة، مستفيدة من علاقاتها الاقتصادية وشبكاتها السياسية، ولكن دون أن تتحول إلى قوة مهيمنة.
في المقابل، ستظل تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، خاصة موجات الهجرة وعدم الاستقرار الإقليمي، عاملا ضاغطا على الداخل الألماني. وهذا قد يعيد تشكيل أولويات السياسة الداخلية، ويدفع نحو مواقف أكثر حزما في ملفات الأمن والهجرة. وبذلك، فإن مستقبل الدور الألماني لن يتحدد فقط بقرارات السياسة الخارجية، بل كذلك بتفاعلات الداخل وقدرته على التكيف مع بيئة دولية متغيرة.


