الأكثر قراءة

يُختبر التحالف المناهض لروسيا بين بولندا وأوكرانيا على وقع مجزرة فولين

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في ظل التهديدات الروسية المتواصلة على حدود أوروبا الشرقية واستمرار الحرب في أوكرانيا، تبرز أزمة تاريخية جديدة تهدد استقرار العلاقة بين الحليفين. إذ يواجه التحالف البولندي الأوكراني، الذي تعزز خلال السنوات الأخيرة في مواجهة روسيا، اختباراً سياسياً وتاريخياً صعباً بسبب الخلاف المتجدد حول مجزرة فولين، في وقت يقترب فيه النزاع بين البلدين بشأن تفسير تاريخهما المشترك من مرحلة أكثر حساسية.

أصل الخلاف بين البلدين

يعود أصل الأزمة إلى أحداث وقعت قبل أكثر من ثمانية عقود، إلا أن تداعياتها لا تزال حاضرة بقوة في المشهد السياسي. وتستعد السلطات البولندية لإحياء يوم 11 يوليو/تموز، الذي يُعد اليوم الوطني لإحياء ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية التي تعرض لها مواطنو الجمهورية البولندية على يد القوميين الأوكرانيين، وفق التسمية الرسمية التي اعتمدتها وارسو عام 2009. ويأتي ذلك في ظل اتهامات بولندية بأن كييف تمضي في تمجيد شخصيات وتنظيمات مرتبطة بتلك الأحداث، الأمر الذي زاد من حدة التوتر بين الجانبين.

وتشير المعطيات إلى أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حاول، خلال لقاء جمعه بالرئيس البولندي كارول ناوروتسكي على هامش قمة حلف شمال الأطلسي، إقناعه بعدم تصعيد هذا الملف، إلا أن تلك المحاولة لم تحقق نتائج ملموسة. ففي الوقت الذي يسعى فيه حلفاء كييف الغربيون، إلى جانب أطراف داخل المؤسسة السياسية البولندية، إلى احتواء الخلاف ومنع تفاقمه، يبدو أن الرئيس البولندي يتمسك بموقفه تجاه هذه القضية.

تاريخ مجزرة فولين

تُعد مجزرة فولين من أكثر الملفات التاريخية حساسية بين البلدين. فخلال عامي 1943 و1944، قُتل عشرات الآلاف من البولنديين في مناطق غرب أوكرانيا، ولا سيما في إقليم فولين، بينما لا يزال عدد الضحايا محل خلاف بين المؤرخين. وترى بولندا أن عمليات القتل نُفذت بتحريض وموافقة مباشرة من قيادة جيش التمرد الأوكراني، إلا أن أعمال العنف لم تقتصر على عناصر التنظيم، بل شارك فيها آلاف السكان المحليين.

ويرى باحثون أن عوامل تاريخية واجتماعية عدة أسهمت في اندلاع تلك الأحداث، من بينها تراكم المظالم بين ملاك الأراضي البولنديين والفلاحين الأوكرانيين، والدعاية القومية المتشددة، إضافة إلى الرغبة في الاستيلاء على ممتلكات المجتمعات البولندية التي أصبحت عاجزة عن الدفاع عن نفسها بعد انهيار القوات العسكرية البولندية آنذاك.

تغير في الأفكار البولندية

أدت تلك المجازر إلى انضمام عدد كبير من البولنديين الذين نجوا منها إلى صفوف المقاومة السوفيتية والجيش الشعبي الشيوعي، في واحدة من النتائج السياسية غير المباشرة لتلك الأحداث. واليوم، يستحضر هذا الملف في بولندا حتى من قبل القوى السياسية التي تعتبر روسيا الخصم التاريخي الأول، حيث يرى كثيرون أن دعم أوكرانيا في حربها الحالية لا ينبغي أن يكون على حساب تجاهل الذاكرة التاريخية البولندية.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس البولندي، عقب لقائه زيلينسكي، أن بولندا وأوكرانيا تواجهان تهديداً مشتركاً يتمثل في روسيا، وأن البلدين بحاجة إلى علاقات قوية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن القضايا المرتبطة بجيش التمرد الأوكراني ليست موضع مساومة أو نقاش. ويعزز هذا الموقف التوقعات بمشاركة الرئيس وأعضاء حزب “القانون والعدالة” في فعاليات إحياء ذكرى 11 يوليو/تموز، مع احتمال صدور مواقف قد تثير استياء كييف.

المواقف المتطرفة تربك السياسيين في البلدين

في المقابل، يجد رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك نفسه أمام معادلة سياسية معقدة، إذ يحاول الحد من تداعيات الخلاف مع أوكرانيا. وقد تعرض لانتقادات داخل بولندا بعدما أعلن أن حكومته لن ترد على قرار كييف إنشاء “مزار للأبطال”، الذي يتضمن دفن رفات دميترو كلياشكيفسكي، أحد أبرز قادة جيش التمرد الأوكراني، والذي تنسب إليه بولندا مسؤولية تنظيم أحداث “الأحد الدامي” في 11 يوليو/تموز 1943، عندما شهدت عشرات البلدات والقرى البولندية عمليات قتل جماعي.

ولم تعد الضغوط على الحكومة البولندية مقتصرة على الداخل، إذ شهد البرلمان الأوروبي تطوراً لافتاً بعدما تبنى قراراً يدين الخطوات الأوكرانية الرامية إلى تمجيد جيش التمرد الأوكراني. كما أثارت النائبة البولندية في البرلمان الأوروبي، إيفا زايونتشكوفسكا-غيرنيك، جدلاً واسعاً عندما مزقت علماً ورقياً يحمل ألوان القوميين الأوكرانيين، وأعلنت رفضها انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي زاد من الضغوط السياسية على حكومة توسك.

انعكاسات الأزمة التاريخية على العلاقة بين البلدين

يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه الأزمة التاريخية ستنعكس على العلاقات السياسية والعملية بين البلدين. ففي الوقت الذي تستعد فيه بولندا لإحياء ذكرى ضحايا فولين، يعقد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي اجتماعاً لمناقشة ملفات تتعلق بأوكرانيا، من بينها مراحل التفاوض الخاصة بانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الحزمة الجديدة من العقوبات المفروضة على روسيا.

ورغم أن المؤشرات الحالية لا توحي بأن وارسو تعتزم عرقلة المساعدات العسكرية الأوروبية والأطلسية المقدمة إلى كييف، وهو موقف يحظى بتوافق بين الرئيس ورئيس الوزراء، فإن بولندا قد تلجأ إلى استخدام بعض أدواتها داخل الاتحاد الأوروبي لإدخال تعديلات على بعض الملفات، بما في ذلك بنود تتعلق بالعقوبات أو بالتجارة مع بيلاروسيا، بما يخدم مصالحها الاقتصادية، ويوجه في الوقت نفسه رسالة سياسية إلى السلطات الأوكرانية مفادها أن الخلافات التاريخية لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها، حتى في ظل الشراكة القائمة بين البلدين في مواجهة روسيا.

https://hura7.com/?p=81467

الأكثر قراءة