جريدة الحرة
خاص ـ أكد قائد الجيش الألماني إن الجيش يعمل على تسريع عملية صنع القرار في زمن الحرب من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل بيانات ساحة المعركة بشكل أسرع من البشر، مستفيدا من الدروس المستفادة من القوات الأوكرانية وغيرها.
يأتي هذا التوجه في ظل التحولات العميقة التي تشهدها طبيعة الحروب الحديثة، حيث أصبحت سرعة اتخاذ القرار عاملا حاسما في تحديد نتائج المواجهات العسكرية، إلى جانب التفوق التكنولوجي والقدرة على استيعاب الكم الهائل من البيانات المتدفقة من مختلف مصادر الاستطلاع والمراقبة.
أوكرانيا نموذج لكيفية إدارة العمليات العسكرية في العصر الرقمي
شارك الفريق كريستيان فرويدينغ، الذي أصبح قائدا الجيش الألماني في أكتوبر 2025 بعد سنوات من الإشراف على إمدادات الأسلحة الألمانية إلى كييف، رؤيته من زياراته لمراكز القيادة الأوكرانية حيث أدت الطائرات بدون طيار وأجهزة الاستشعار الحديثة إلى زيادة حجم بيانات ساحة المعركة بشكل كبير.
أوضح كريستيان فرويدينغ: “أن حرب أوكرانيا قدمت نموذجا جديدا لكيفية إدارة العمليات العسكرية في العصر الرقمي، حيث لم تعد المعلومات مجرد عنصر داعم، بل أصبحت في صلب عملية اتخاذ القرار”.
تابع: “يستغل الأوكرانيون البيانات التي جمعوها على مدار أربع سنوات من الحرب. وبناء على هذه البيانات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يستنتج كيف تصرف العدو في مواقف مماثلة في الماضي، وأن يوصي بتدابير مضادة”. يعكس هذا التصريح التحول نحو ما يمكن وصفه بـ”الحرب المعتمدة على البيانات”، حيث يتم تحليل الأنماط السلوكية للخصم وتوقع تحركاته المستقبلية بناء على سجلات سابقة وخوارزميات متقدمة.
الأساليب التقليدية وحدها لن تكون كافية
أشار كريستيان فرويدينغ إلى أن المهام التي تتطلب الآن مئات الأفراد وأياما لإكمالها يمكن تسريعها بشكل كبير من خلال الذكاء الاصطناعي، مضيفا أن الأساليب التقليدية وحدها لن تكون كافية أبدا “لكسر دورة صنع القرار لدى الخصم”.
في هذا السياق، تبرز أهمية تقليص الزمن بين جمع المعلومات واتخاذ القرار، وهو ما يعرف في الأدبيات العسكرية بدورة “الملاحظة والتوجيه والقرار والتنفيذ”، حيث يسعى كل طرف إلى تسريع هذه الدورة لديه وتعطيلها لدى خصمه.
اقترح فرويدينغ استخدام البيانات من أوكرانيا ومن التدريبات العسكرية الألمانية عند تدريب الأدوات التحليلية، مما يضمن التوافق مع المبادئ التشغيلية لألمانيا. ويشير ذلك إلى توجه نحو بناء أنظمة ذكاء اصطناعي محلية أو مكيّفة مع الخصوصيات العسكرية الألمانية، بدلا من الاعتماد الكامل على حلول جاهزة قد لا تتناسب مع العقيدة القتالية أو الإطار القانوني الوطني.
التوازن بين تعزيز الاستقلالية التكنولوجية والاستفادة من القدرات الأمريكية
أكد فرويدينغ أن الذكاء الاصطناعي لن يكون سوى أداة استشارية لتسهيل عملية صنع القرار البشري. وقال: “ستبقى مهمة اتخاذ القرارات التحليلية والمتوازنة دائما منوطة بالإنسان، بالجندي”، مضيفا أنه في حين لم يتم اختيار منتج ذكاء اصطناعي محدد بعد، فإن نشر هذه التقنية يمثل أولوية.
أوضح فرويدينغ على أهمية مواءمة أنظمة الذكاء الاصطناعي الألمانية مع معايير حلف الناتو المتطورة، في ظل الحاجة إلى ضمان قابلية التشغيل البيني بين جيوش الدول الأعضاء. ولم يستبعد وجود نظام مطور أوروبيا، لكنه أكد إن الحلول الأمريكية قد توفر مزايا عملية نظرا لانتشارها المتقدم وخبرتها التشغيلية في ميادين القتال المختلفة.
يعكس هذا الطرح التوازن الذي تحاول ألمانيا تحقيقه بين تعزيز الاستقلالية التكنولوجية الأوروبية والاستفادة من القدرات الأمريكية المتقدمة. وأضاف: “أعتقد شخصيا أنه من المهم أن نبدأ العمل بسرعة. وبالطبع، يجب مراعاة قضايا مثل سيادة البيانات وأمنها”.
تشير هذه النقطة إلى أحد أبرز التحديات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، حيث تزداد أهمية حماية البيانات الحساسة من الاختراق أو الاستغلال، خاصة في بيئة تتسم بالتنافس الاستراتيجي الحاد بين القوى الكبرى.
دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية
يستخدم الجيش الأمريكي أداة الذكاء الاصطناعي Maven، التي صنعتها شركة Palantir في وادي السيليكون، لمعالجة بيانات ساحة المعركة، بما في ذلك الصور والفيديو، لتحسين الوعي الظرفي وتسريع عملية صنع القرار.
تعد هذه الأداة مثالا على كيفية دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية بشكل عملي، حيث تتيح للقادة العسكريين الحصول على صورة أكثر وضوحا وفورية لساحة المعركة، مما يساعدهم على اتخاذ قرارات أكثر دقة وسرعة.
يشير اعتماد مثل هذه الأنظمة إلى تحول أوسع في طبيعة الجيوش الحديثة، التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا الرقمية، من الأقمار الصناعية إلى الطائرات بدون طيار، ومن أنظمة الاتصالات المشفرة إلى منصات تحليل البيانات المتقدمة. وفي هذا الإطار، لم يعد التفوق العسكري يقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانة، بل أيضا بقدرة الجيش على جمع البيانات وتحليلها واستخدامها بشكل فعال.
الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية
أظهرت تجربة أوكرانيا أن الجيوش التي تتمكن من دمج التكنولوجيا الحديثة بسرعة ومرونة يمكنها تعويض بعض أوجه القصور التقليدية، وهو ما دفع العديد من الدول الأوروبية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية. وفي هذا السياق، قد يمثل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أحد أهم محاور التحديث العسكري في السنوات المقبلة.
مع ذلك، لا تخلو هذه التحولات من تحديات، إذ يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري تساؤلات قانونية وأخلاقية معقدة، تتعلق بالمسؤولية عن القرارات، واحتمالات الخطأ، وخطر التصعيد غير المقصود. كما أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية قد يجعل الجيوش أكثر عرضة للهجمات السيبرانية، مما يفرض ضرورة تعزيز قدرات الدفاع الإلكتروني بالتوازي مع تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
يعكس توجه الجيش الألماني نحو تبني الذكاء الاصطناعي إدراكا متزايدا بأن الحروب المستقبلية ستدار إلى حد كبير عبر الخوارزميات والبيانات، وأن القدرة على اتخاذ القرار بسرعة ودقة ستكون عاملا حاسما في تحقيق التفوق العسكري.
بينما تسعى ألمانيا إلى اللحاق بركب الدول المتقدمة في هذا المجال، فإن نجاحها سيعتمد على قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الابتكار التكنولوجي والاعتبارات الأخلاقية والأمنية.


