الأكثر قراءة

البيارته وابن الضيعة… عندما التقى البحر بالجبل على فنجان قهوة

 جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : إسطيفان يلدز

البيارته وابن الضيعة… عندما التقى البحر بالجبل على فنجان قهوة

كان الحكواتي أبو فؤاد، كما يقول أهل الحارة، يجلس على كرسيه الخشبي في زاوية القهوة، يراقب الناس ويقول: “يا جماعة، لبنان بلد صغير لدرجة أن ابن البحر وابن الجبل كانوا يختلفون على مسافة الطريق، ثم يكتشفون أن بينهما صلة قرابة!”

كان البيروتي القديم يحب أن يذكّر الجميع بأنه ابن المدينة. يقول بفخر: “نحن أهل المرفأ والسوق والتجارة، نعرف العالم قبل أن يصل إلى الضيعة.” يمشي في شوارع بيروت بثقة، يعرف أسعار السوق، يعرف أخبار التجار، ويعرف أين تُشرب أفضل قهوة.

أما ابن الجبل أو ابن الضيعة، فكان يدخل بيروت وهو يحمل معه شيئًا آخر: رائحة الأرض، وكرم الضيافة، وثقة من يعرف أن وراءه قرية كاملة تحمي اسمه. وكان يقول للبيروتي: “أنت تعرف سعر البضاعة، وأنا أعرف من أين جاءت.”

ومن هنا بدأت المناوشات الجميلة. البيروتي يمزح فيقول: “ابن الضيعة يحتاج خريطة ليعرف الطريق في بيروت.” فيرد ابن الضيعة: “والبيروتي يحتاج خريطة ليعرف أين ينمو البندورة!”

لكن خلف النكات كان هناك احترام متبادل. فالمدينة كانت تحتاج إلى الجبل، والجبل كان يحتاج إلى المدينة. بيروت فتحت جامعاتها وأسواقها ومرفأها للجميع، والقرى رفدت المدينة بالأطباء والمهندسين والموظفين وأصحاب المهن.

أما في موضوع الزواج، فكانت الحكاية أطول قليلًا. قديمًا، كان بعض الأهل يسألون قبل الموافقة: “من أي عائلة؟ من أي منطقة؟ كيف عاداتهم؟” وكأن العريس أو العروس سيقدمان طلب انتساب إلى الأمم المتحدة لا إلى بيت الزوجية.

لكن مع الوقت، تزوج البيروتي من بنت الضيعة، وتزوج ابن الضيعة من بنت بيروت، واكتشف الجميع أن أصعب تفاهم ليس بين المدينة والريف، بل بين الزوج والزوجة بعد نهاية الشهر!

يروي أبو فؤاد أن أم العروس كانت تقول: “المهم يكون ابن أصول.” فتسألها الجارة: “يعني من بيروت أو من الضيعة؟” فتجيب: “لا يا خالتي… يعني يعرف قيمة البيت ويحترم أهله.”

وفي نهاية الحكاية يرفع أبو فؤاد فنجان القهوة ويقول: “يا أهل لبنان، نحن بلد صغير، لكن عندنا بحر وجبل وسهل. إذا اختلفنا، اختلفنا على اللهجة والقهوة… وإذا اتفقنا، اكتشفنا أننا كلنا من نفس الحكاية.”

فالبيارته وابن الضيعة لم يكونا يومًا حكايتين منفصلتين، بل كانا فصلين من كتاب واحد اسمه لبنان.

https://hura7.com/?p=82621

 

الأكثر قراءة