الأكثر قراءة

البيارتة … هل ورثوا البحر والمزاج من الفينيقيين؟

جريدة الحرة ـ بيروت

إسطيفان يلدز مدونة الكاتب إسطيفان يلدز

البيارتة … هل ورثوا البحر والمزاج من الفينيقيين؟

يقول الحكواتي البيروتي القديم إن البيارته لم يولدوا فقط في مدينة اسمها بيروت، بل ولدوا من رائحة البحر، وصوت المراكب، ومن ذلك المزيج الغريب بين العناد والكرم، بين سرعة الغضب وسرعة المصالحة.

لكن قبل أن يصبح البيروتي شخصية لها نكاتها وحكاياتها، كانت بيروت نفسها مدينة قديمة جدًا. يعود اسمها إلى العصور الفينيقية، ويُربط غالبًا بكلمة فينيقية تعني “الآبار” أو “الينابيع”، بسبب كثرة مصادر المياه في المنطقة. ثم عرفها الرومان باسم “بيريتوس”، وأصبحت مركزًا مهمًا للعلم والقانون، حتى لُقبت لاحقًا بـ”أم الشرائع” بسبب مدرسة الحقوق الشهيرة فيها.

وهنا يبدأ الحكواتي بالابتسام ويقول: “يعني حتى أجدادنا الفينيقيون كانوا يحبون النقاش… تركوا لنا مدرسة قانون، ونحن تركنا لأحفادنا هواية الجدال على كل شيء!”

فالبيارته، كما تقول الحكايات الشعبية، يحملون شيئًا من روح المدينة البحرية. هو يحب التجارة، يحب السؤال، يحب معرفة كل التفاصيل، ولا يقبل أن تمر الأمور من دون تعليق. إذا أخبرته عن مشروع جديد، يسألك: “مين وراه؟ وقديش كلف؟ ومن المستفيد؟” وإذا قدمت له رأيًا سياسيًا، يعطيك رأيًا مضادًا قبل أن تنهي جملتك.

لكن خلف هذه السخرية هناك صفات أخرى: البيروتي معروف بحبه للضيافة، وبقدرته على تحويل الأزمة إلى نكتة، والشكوى إلى جلسة قهوة، والمشكلة إلى قصة تُروى.

هل ورث البيارته هذا المزاج من الفينيقيين؟ ربما لا يمكن إثبات ذلك بالتاريخ، لكن المدن تترك أثرها في أهلها. والمدينة التي عاشت آلاف السنين بين البحر والتجارة والهجرة والحروب، لا بد أن تصنع إنسانًا يعرف كيف يناور الحياة.

يختم الحكواتي فنجانه ويقول:
“الفينيقيون تركوا لنا البحر… والرومان تركوا لنا القانون… أما نحن فتركنا للعالم أهم اختراع: كيف نشرب القهوة ونختلف في الرأي ثم نضحك معًا.”

فهذا هو البيروتي: قليل من البحر، قليل من التاريخ، وكثير من الحكاية.

https://hura7.com/?p=82616

الأكثر قراءة