جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم إسطيفان يلدز مدونة الكاتب إسطيفان يلدز
أبو العبد ومرته… عندما يصبح البيت أول برلمان بيروتي
يقول الحكواتي البيروتي إن أول مجلس نيابي عرفته بيروت لم يكن في ساحة النجمة، بل كان في بيت أبو العبد… وتحديدًا في المطبخ، عندما كانت “مرته” تجلس أمامه وتبدأ جلسة الاستجواب اليومية.
أبو العبد، الرجل البيروتي الذي يعرف كل شيء عن السياسة والاقتصاد وأسعار السوق، كان يعتقد أن خبرته في الحياة تخوله إدارة العالم من كرسي القهوة. لكنه كان يعرف جيدًا أن هناك شخصًا واحدًا لا يستطيع أن يجادله طويلًا… مرته.
كان أبو العبد يخرج من البيت رافع الرأس، يشرح لأصحابه كيف تُدار الأمور، وكيف يجب أن تُحل مشاكل البلد، وكيف أن الناس تحتاج إلى “رجل حازم”. وما إن يعود إلى المنزل حتى يسمع السؤال الذي يهزم كل النظريات:
“أبو العبد… وين المصروف؟”
هنا يسقط الفيلسوف البيروتي وتبدأ الحسابات الحقيقية.
يحاول أن يشرح لها أن الوضع الاقتصادي صعب، وأن الأسعار ارتفعت، وأن العالم كله يعاني. فتجيبه بهدوء بيروتي معروف:
“ماشي… بس الولاد بدهن كتب، والبراد بدو تصليح، وفاتورة الكهربا بدها دفع.”
فيكتشف أبو العبد أن إدارة البيت أصعب من إدارة السياسة، وأن زوجته تعرف أرقام الموازنة أكثر من كثير من المسؤولين.
لكن سر العلاقة بين أبو العبد ومرته لم يكن في الخلاف، بل في طريقة المصالحة. فبعد كل نقاش، يعود حاملاً فنجاني قهوة، ويقول لها: “خلص، لا تعمليها أزمة حكومية.”
فتضحك وترد: “أنت كل حياتك بدها بيان وزاري.”
هنا تكمن روح الحكاية. فالزوجة البيروتية في النكات الشعبية ليست خصمًا لأبو العبد، بل شريكته التي تعيده إلى الأرض كلما طار بأفكاره. هي صوت الواقع، وهو صوت الحلم.
وربما لهذا بقي أبو العبد محبوبًا. لأنه يشبه كثيرًا من اللبنانيين: يحب أن يعطي النصائح للعالم، لكنه يعرف في داخله أن أصعب قرار في حياته هو قرار البيت.
يختم الحكواتي فنجان القهوة ويقول:
“يا جماعة… كل رجل بيروتي عنده بحر وميناء وحكايات… بس في النهاية، السفينة لا تمشي إلا بإذن ربانة البيت.”


