الأكثر قراءة

حكواتي الحمرا، حكاية فنجان قهوة من زمن العز إلى زمن الفاتورة

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : اسطيفان يلدز مدونة الكاتب إسطيفان يلدز

حكواتي الحمرا: حكاية فنجان قهوة من زمن العز إلى زمن الفاتورة

“يقولون إن أبا فؤاد، حكواتي الحمرا العجوز، كان يعرف أسرار المدينة أكثر مما يعرفها أصحاب القرار…”

كان حكواتي الحمرا يجلس في زاوية المقهى، يضع فنجان القهوة أمامه، ويقول للمارة: “اقتربوا يا أهل بيروت … لدي حكاية لا تحتاج إلى كهرباء ولا إلى اشتراك مولد، فقط تحتاج إلى أذن تسمع وقلب يتذكر.”

كان يحكي عن زمن كانت فيه الحمراء أكثر من شارع. كانت مسرحًا مفتوحًا، يأتي إليها السائح من كل أنحاء العالم، يجلس في مقاهيها، يستمع إلى الموسيقى، يناقش السياسة، ويشرب فنجان قهوة لا يسأل عن سعره قبل أن يطلبه.

كان فنجان القهوة يومها مجرد فنجان. يجمع الكاتب بالفنان، والسائح بالبائع، والطالب بالأستاذ. لم يكن أحد يفتح آلة حاسبة ليعرف إن كان يستطيع دفع ثمنه. كانت قيمة القهوة في الحكاية التي ترافقها، لا في سعرها.

ثم يسكت الحكواتي قليلًا، وينظر إلى الشارع، ويقول: “أما اليوم، فقد تغيرت الحكاية. لم يعد الزبون يسأل فقط: هل القهوة ؟ بل يسأل: عن أصحابه؟ وهل أستطيع أن أدعو صديقي إليها أم ستصبح دعوة القهوة أزمة مالية؟” ويتابع ساخراً: “في الماضي كان اللبناني يجلس في المقهى ليجادل في السياسة. اليوم يجلس ليحسب السياسة والاقتصاد معًا: سعر الدولار، فاتورة الكهرباء، بدل الإيجار، وقسط المدرسة.”

يقول حكواتي الحمرا إن بيروت لم تفقد فقط مقاهيها القديمة، بل فقدت جزءًا من إيقاعها. المدينة التي كانت تستقبل الناس بالحكايات، أصبحت تستقبلهم بقائمة أسعار طويلة. حتى فنجان القهوة صار يحمل معه قصة جديدة: قصة بلد تغيّر فيه كل شيء، إلا حاجة الناس إلى جلسة تجمعهم.

لكن الحكواتي لا يريد أن يحول حكايته إلى مرثية. يبتسم ويقول: “لا تخافوا يا أهل بيروت، فالحكايات لا تموت. قد يرتفع سعر القهوة، وقد تتغير الشوارع، لكن بيروت تبقى بحاجة إلى من يروي قصتها.”

https://hura7.com/?p=82607

الأكثر قراءة