جريدة الحرةـ بيروت
بقلم : إسطيفان يلدز مدونة الكاتب إسطيفان يلدز
أكشاك الحمرا… عندما كان الحبر يصنع الأخبار واليوم تصنعها الشاشة
كان الحكواتي البيروتي يقول: “إذا أردت أن تعرف أخبار بيروت، لا تذهب إلى السياسيين… اذهب إلى كشك الجرائد في شارع الحمرا.”
في زمن مضى، كانت أكشاك الجرائد في الحمرا أكثر من مجرد مكان لبيع الصحف. كانت نافذة مفتوحة على العالم. يقف الرجل صباحًا، يشتري جريدته، يطويها تحت ذراعه، ويذهب ليشرب قهوته وهو يناقش الخبر قبل أن يبرد.
كان شارع الحمرا يستيقظ على رائحة القهوة ورائحة الورق. رائحة الكتب الجديدة، وصوت البائع وهو ينادي على الصحف، وصور العناوين الكبيرة التي كانت تجعل الناس يتوقفون أمام الكشك كأنهم أمام شاشة أخبار حية.
كان اللبناني يومها يشتري الجريدة ليعرف ماذا حدث في العالم. أما اليوم، فيفتح هاتفه قبل أن يفتح عينيه بالكامل، فيعرف ما حدث قبل أن يعرف أين وضع فنجان القهوة.
يقول الحكواتي ساخرًا: “زمان كان الرجل يختلف مع صديقه بسبب مقال قرأه في الجريدة. اليوم يختلف معه بسبب منشور لم يقرأه أصلًا!”
لقد تغيرت الحمرا. لم تعد أكشاك الجرائد هي نقطة التجمع الأولى. اختفى جزء من ذلك المشهد: الرجل الذي يطلب قهوته مع الصحيفة، الطالب الذي يبحث عن كتاب مستعمل، والمثقف الذي يقضي ساعات بين صفحات الجرائد.
لكن هل ماتت القراءة في الحمرا؟ ربما تغيرت فقط. فالكتاب انتقل إلى الشاشة، والجريدة أصبحت تطبيقًا، والمقهى أصبح مكانًا يلتقط فيه الناس الصور أكثر مما يناقشون الأفكار.
المشكلة ليست أن الورق اختفى، بل أن عادة الجلوس والقراءة والنقاش تراجعت. فالحمرا لم تفقد فقط أكشاك الجرائد، بل فقدت جزءًا من إيقاعها البطيء الجميل.
يقف أبو فؤاد أمام كشك قديم ويقول:
“يا ابني، زمان كان الناس يشترون الجريدة ليعرفوا الحقيقة… اليوم يشترون هاتفًا ليبحثوا عن الحقيقة بين ألف إشاعة.”
ومع ذلك، تبقى الحمرا حمرا. قد تتغير الواجهات، وقد تصبح الأخبار أسرع، لكن الشارع الذي عرف الكتب والصحافة والمسرح قادر دائمًا على إنتاج حكاية جديدة.


