الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

Labubu: من دمية قبيحة إلى رمز فني تتبناه هيرمس

كيف تُستغل ثقافة البوب لصناعة الربح؟

جريدة الحرة ـ بيروت

في السنوات الأخيرة، برزت دمية صغيرة المظهر، كبيرة التأثير، تُدعى Labubu، لتتحول من قطعة فنية محدودة الإصدار إلى رمز بصري يجتاح وسائل التواصل، يزيّن واجهات المتاجر الفاخرة، ويحتل موقعاً متقدماً في ثقافة التجميع الحديثة. فمن هي هذه الشخصية؟ ولماذا اختارت ماركة فاخرة مثل هيرمس أن توظفها في تصميم حقائبها الفاخرة؟

من هي Labubu؟

هي شخصية خيالية صمّمها الفنان التايواني Kasing Lung عام 2015، مستلهماً تفاصيلها من الفولكلور الإسكندنافي والأساطير الأوروبية التي تأثّر بها خلال طفولته، فظهرت كجزء من سلسلة “The Monsters”، وهي مجموعة من الشخصيات الخيالية التي تعكس مزيجاً من الجمال الغريب والبراءة المشوهة.

بملامحها الحادة وعينيها الجاحظتين وابتسامتها شبه الشيطانية، لا تعكس Labubu  البراءة المعتادة في دمى الأطفال، بل تمثّل ما يُعرف بالجمال القبيح أو Aesthetic of the Grotesque، وهو توجّه بصري انتشر في السنوات الأخيرة كردّ فعل على الصيغ الجمالية النمطية.

ورغم هذه الملامح الغريبة استطاعت أن تؤسس لما يشبه الظاهرة في عالم دمى المصممين أو ما يُعرف بـDesigner Toys. ففي عام 2019، دخلت Labubu مرحلة جديدة من الشهرة بعد تعاون Kasing Lung مع شركة Pop Mart الصينية، ما ساهم في تعزيز شعبيتها بين هواة جمع الألعاب والمستهلكين في جميع أنحاء آسيا. عندها لم تعد الدمية موجهة فقط للأطفال، بل إلى جمهور بالغ، ينتمي إلى ثقافة فنية فرعية ترى في هذه الدمى مزيجاً من النُدرة، التعبير، والهوية، فتحولت إلى تريند عالمي يتجاوز الأطر الفنية إلى الثقافة الاستهلاكية الواسعة.

هيرمس تدخل على الخط: كيف تسلّعت  Labubu؟

لا يعود النجاح التجاري والجماهيري لدمية Labubu  إلى الصدفة، بل إلى جملة من العوامل المتشابكة. فتصميمها البصري المميز جمع بين الطرافة والرعب، واستفز المشاعر المتناقضة. كما أن ندرة الإصدارات خلقت طلباً مرتفعاً ما منحها قيمة سوقية مضاعفة. هذا إضافة إلى ثقافة التجميع المعاصرة حيث  ارتبطت Labubu بظاهرة واسعة الانتشار في شرق آسيا خصوصاً عندما تحولت دمى المصممين إلى بديل عن الاستثمار التقليدي.

ما يميّز Labubu هو قدرتها على تجاوز الطبقات السوقية والفئات العمرية. فهي ليست لعبة أطفال بالمعنى التقليدي، بل منتج يستهوي المراهقين، الشباب، صانعي المحتوى، وجامعي القطع النادرة. هذا التنوّع في الجمهور جعل منها هدفاً مغرياً لعلامات الأزياء الفاخرة. فقد ظهرت مؤخراً، وبشكل غير متوقع، مع ماركة هيرمس الفرنسية الشهيرة، حيث استُخدمت كرمز زخرفي على بعض حقائبها الجلدية.

هذا التحوّل يفتح الباب أمام تساؤلات جدّية: كيف ولماذا تتحول شخصية من ثقافة البوب الغريبة إلى جزء من منتج فاخر؟ الجواب يكمن في فلسفة التسويق المعاصر التي تبحث عن رموز شعبية تتجاوز الحواجز الطبقية، وتُضفي على المنتجات مسحة من “اللامتوقع”، ما يجعلها أكثر جاذبية لفئة تبحث عن التميز والانفراد.

التسويق على مفترق الفن والاستهلاك

تُظهر ظاهرة Labubu كيف يُعاد إنتاج الرموز الثقافية الشعبية من أجل الربح. فشخصية كانت في الأصل مجرّد تعبير فني، سرعان ما تحولت إلى منتج تُحدد قيمته السوقية حسب نُدرته، وتُوظّف في حملات تسويقية عالمية.

هذا التوجه ليس جديداً، فقد رأيناه مع شخصيات مثل Hello Kitty، أو حتى تعاوناتLouis Vuitton  مع Murakami وSupreme. لكن في حالة Labubu فإن المفارقة أكبر: الشخصية ذات طابع غريب، حاد، وحتى “بشع” وفق معايير الجمال التقليدية، أصبحت محبوبة ومطلوبة، في دلالة على تحوّل ذائقة الجيل الجديد، وسعيه الدائم لاقتناء ما يخرق التوقعات.

التأثيرات المجتمعية: ما الذي تقوله Labubu عنا؟

وراء هذه الظاهرة أبعاد أعمق حيث يعتبر بعض الأخصائيين النفسيين أن دمية Labubu ليست مجرد منتج، بل مرآة لعصر الهويات الهجينة، حيث تتقاطع الطفولة مع الكآبة، الجمال مع القبح، والفن مع التسويق. إنها تجسيد لمزاج الجيل الذي نشأ في ظل الأزمات العالمية، ويبحث عن رموز تعكس قلقه، سخرّيته، ورغبته في الهروب.

وتبقى انعكاساتها الكبرى على الأطفال، إذ، وعلى الرغم من أن Labubu ليست مخصصة لهم بشكل مباشر، فإن شعبيتها المتزايدة في الفئات العمرية الصغيرة تطرح إشكالات تربوية ونفسية. في هذا السياق تشير بعض الدراسات السيكولوجية إلى أن الارتباط المبكر بصور مشوهة أو مخيفة يمكن أن يؤثر في تكوين الذائقة البصرية والنفسية للأطفال، ويعزّز مشاعر القلق أو اللامبالاة تجاه مشاهد الرعب، ما يُعرف بـDesensitization.

كما أن الخط الفاصل بين اللعب والتسويق بات هشاً جداً، حيث يتم تسويق الدمية بوصفها “لعبة” من جهة، و”قطعة استثمارية” من جهة أخرى، ما يُربك الأطفال حول معنى القيم المادية والرمزية للأشياء.

حذارِ استهلاك الطفولة وتشويه الفن

تكشف Labubu عن تحوّل عميق في أنماط الاستهلاك والرمزية في عالمنا المعاصر. ففي زمن تتسابق فيه العلامات التجارية على احتواء كل ما هو صادم أو غريب أو هامشي، يتحوّل القبح إلى جمال، والتشوه إلى ميزة، والمخلوق الغريب إلى سفير للموضة.

إنها ديناميكية السوق الثقافي الجديد، حيث تُخترق الذائقة العامة ليس بقيم الجمال، بل بقدرة المنتجات على إثارة المفاجأة، وتوليد “الضجيج”. فهل باتت Labubu مرآة لعصرٍ يستهلك كل شيء: الطفولة، الفن، وحتى التشوّه… ما دام قابلاً للتغليف، والتداول، والربح السريع؟

https://hura7.com/?p=54366

الأكثر قراءة